زحلة
مدينة لبنانية عريقة، تقع على مسافة متوسطة بين شماله وجنوبه وغربه
وشرقه، وتبعد عن العاصمة بيروت خمسين كيلومتراً. تلتحف جبل صنين وتُشرف على
منبسطات سهل البقاع الخصب، الذي أطلق عله، ذات يوم، اسم "أهراء روما".
انها
تقع في وادٍ وسط تلتين متقاربتي العلو وارفتي الظلال ويخترقها نهر البردوني الذي
ينبع من أعالي قاع الريم، وينحدر في وسطها ليشطرها إلى قسمين شبه متوازيين:
1-
الأول شرقي ويضم أحياء: وادي العرائش البرباره،
الميدان، حوش الزراعنة، المعلقة الكرك المعروف بكرك نوح، لأنه يحتوي على قبر نوح
والمدينة الصناعية، وهو حي حديث تتمركز فيه المنشآت الحرفية والصناعية على مختلف
أنواعها.
2-
الثاني غربي ويشمل أحياء: الراسية، سيدة النجاة والمعروف
بحي المعالفة، مار انطونيوس، مار جرجس، مار ميخائيل، مار الياس المعروف بالضيعة
وحوش الأمراء.
تبلغ مساحة المدينة العقارية حوالي 35
كلم2، ومساحتها المبنية 5 كلم2.
ويُقدر عدد سكانها المقيمين بحوالي 150 آلف
نسمة والمغتربين والمنحدرين من اصل زحلي بحوالي 250 ألف معظمهم من البرازيل
والولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا ويقوم هؤلاء بدور بارز حيث وجدوا،
فمنهم نواب ووزراء وحكتم ولايات وقضاة وأطباء صارت لهم شهرة عالمية. يتزايد
الزحليون بمعدل 2،75% سنوياً ويتوزعون على 25 ألف وحدة سكنية.
تضاربت
أراء المؤرخين حول أصل تسميتها. فمنهم من ردها إلى (زُحل)، الكوكب الذي عبده
الرومان وجعلوه اله الخصب، معتمدين في ذلك، على ما اكتشف من آثار رومانية ومن نقود
وانفاق فيها وفي جوارها.
ومنهم
من ردّها إلى (زَحل)، وهي لفظة آرامية تعني جرى وانهار وزحل عن موضعه. وهذا يتوافق
مع بنية المدينة الجيولوجية، خصوصاً في محلة تل شيحا، قرب السراي القديمة، حيث
تحدث، سنوياً، زحولات ذات أهمية. والآرامية سادت في المنطقة، (من 800 ق.م. إلى 650
م) وكانت لغة السيد المسيح. ومن المحتمل، أن تكون المدينة أخذت اسمها مع انتشار
المسيحية في لبنان، إبان القرن الرابع الميلادي، في مرحلة ازدهار السريانية.
ومن
المؤرخين من رد التسمية إلى (زحلان)، وهو ملك عربي، يُحتمل أن يكون سكن زحلة اثر
الاحتلال العربي للبقاع في القرن السابع الميلادي، وأطلق اسمه على المدينة، وهناك
من يدعم هذا الرأي على أساس أن "تلة شيحا" هي المحلة التي أحرق فيها
الأمير رزق، أحد أمراء بني هلال ابنته شيحا، طناً منه بأنها خانته. والتلة ما تزال
تحتفظ بالاسم، ويقوم عليها مستشفى زحلي هو واجد من أهم مستشفيات لبنان. يتبين من
كل هذه الاحتمالات، إن زحلة مدينة عريقة، ذات تاريخ مجيد، وان عاشت حقبات من عمرها
في الظل.
تتكون
مشارف المدينة من تربة كلسية بيضاء في العموم، تصلح للأشجار المثمرة وبأخص الزيتون
والكرمة والتفاح والكرز، على إنها قليلة الإنتاج بسبب انحدارها. وأمّا الصخور فهي قليلة
ورسوبية سريعة التفتت، لهذا ربما، بنيت منازل زحلة القديمة باللبن الترابي المجفف،
وبقيت على هذه الحالة حتى أواخر القرن الماضي، يوم بدأت الهجرة الزحلية إلى الغرب،
فتدفقت الأموال من المغتربين وأخذت الأبنية الحجرية تنهض، إلى جانب بيوت اللبن
الترابي، تكللها سقوف من القرميد ميزت المدينة في النصف الأول من هذا القرن، فعرفت
زحلة حركة عمرانية قلت مثيلاتها في لبنان.
مناخ
زحلة جاف وجوها صاف وصيفها حار ولكن وفرة المياه فيها تخفف من حرها وتزيد من جمال
مناخها وروعة واديها، الذي جعل منه الزحليون جنة صغيرة بما أقاموا فيه على ضفتي
البردوني من مقاهٍ ومنتزهات وفنادق يقصدها طلاب العافية والراحة من مُختلف البلاد
العربية.
اتصف
الزحليون على مدى تاريخهم بالفروسية والشجاعة وميلهم إلى المغامرة. تعشقوا الحرية
ومارسوا الشورى في إدارة شؤونهم العامة، وتميزوا بطيبة القلب والعفوية في التصرف
ومحبة الضيف وحسن استقبالهم له، واشتهروا في نظم الشعر وإتقانه فكان منهم الشعراء
أمثال قيصر وشفيق وفوزي ورياض معلوف وسعيد عقل وميشال طراد وموسى نمور وحليم دموس
وجان زلاقط وخليل فرحات وانيس خوري وجوزيف آبي طعان وجوزف جحا وجوزف صايغ ونقولا
يواكيم وجوزف غصين وريمون قسيس، فصاروا مضرب مثل في العفوية والأريحية والشاعرية.
وصارت مدينتهم أنشودة على ثغور الناس، تغنى بها كبار الشعراء أمثال شوقي والأخطل
وخليل مطران وندر أن اشتهر شاعر ولم
ينظم فيها قصيدة.
قامت
في زحلة منذ مطلع القرن الثامن عشر المؤسسات التربوية والعلمية، منذ تأسيس مدرسة
مار الياس المخلصية عام 1720، حتى اليوم، بلغ عدد مدارسها زهاء الثلاثين مدرسة
خاصة، يعود الفضل في إنشائها إلى الرهبان والراهبات والأبرشيات والإرساليات
الدينية وبعض هذه المدارس جذب إليه التلامذة من كافة أنحاء لبنان وسوريا مثل
المدرسة الأسقفية الكاثوليكية (1727) ومدرسة الرهبان اليسوعيين (1844) والمدرسة
الأسقفية الأرثوذكسية (1856) والمدرسة الإنجيلية (1859) ومدرسة مار يوسف
الأنطونية (1785). وكانت الكلية الشرقية التي بنتها الرهبنة الشورية عام 1898،
أضخم هذه المدارس، وأهمها إطلاقاً على الصعد العلمية والتربوية والاجتماعية. ففيها
نشأت أوّل جريدة "المهذب" 1907، وأوّل مكتبة قيمة (1900) وأوّل جمعيّة
علميّة "جمعية النهضة العلمية" (1903) وأول إذاعة داخلية (1948). وفي العموم
تحولت زحلة بفضل مدارسها (حوالي 50) الخاصة والرسمية إلى واحة للعلم لعبت دوراً
هاماً في حياة لبنان الثقافية. وقد أنجبت زحلة عدداً من كبار رجال الفكر والسياسة
والتاريخ والدبلوماسية والتشريع والصحافة، من بينهم رئيس الجمهورية الأستاذ الياس
الهراوي. والزحليون يمارسون شعائرهم الدينية بانتظام ويحتفلون بأعيادهم بصورة
رائعة، فيتبادلون الزيارات والتهاني خصوصاً في عيد الفصح. ومنذ قرن تقريباً لا
تزال المدينة تحتفل بعيد خمسين الجسد فيطوف أساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها
وتلامذتها وفرق الكشافة والهيئات الرسولية فيها بالقربان المقدس على أحياء المدينة
بخشوع وكثير من المهابة.
إلى
جانب المدرسة وفي موازاتها وبفضلها، قامت في زحلة، ابتداء من عام 1907 المجلات
والصحف بحيث بلغ ما أصدره الزحليون خلال قرن من الزمن حوالي عشرين جريدة، بعضها ما
يزال مستمراً في الصدور اليوم مثل "زحلة الفتاة: (1910)، "الرسول"
(1956) وحضانة الطفل (1955) والرؤى (1984). أمّا المجلات والصحف التي أصدرها
الزحليون المغتربون فيقارب عددها، منذ مطلع هذا القرن حتى اليوم الثلاثين.
تمتاز
زحلة بتعلق أبنائها، على اختلاف أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم، بالقيم الروحية،
وبممارستهم شعائرهم الدينية بحرية وتسامح نادرين.
وفيها اليوم، ثلاث أسقفيات: واحدة لطائفة
الروم الكاثوليك، وواحدة لطائفة الروم الأرثوذكس وثالثة للموارنة، وأربعون كنيسة وثلاثة جوامع ومركز إفتاء.
واللافت إن العديد من أحيائها يحمل اسم
القديس الذي بُنيت على اسمه كنيسة الحي، مثل حي سيدة النجاة، وحي مار الياس وحي
البربارة...
وقام الأساقفة بدور مهم في حياة المدينة،
وبأخص أسقف طائفة الروم الكاثوليك الملكيين الذي تجاوزت سلطاته الجانب الروحي إلى
الشأن الزمني (البراءات السلطانية). واليوم، ينظر الزحليون إلى أساقفتهم نظرة تهيب
واحترام، يستشيرونهم ويأخذون بآرائهم ويلتجئون إليهم في الأوقات العصيبة
ويُحلّونهم في صدور مجالسهم.
عرفت
زحلة التنظيم المدني والبلدي في منتصف القرن الماضي، عندما شكل شيوخها لجنة سداسية
أناطوا بها مسألة تنظيم شؤون بلدتهم والسهر على مصالحها. وعام 1879 اعترفت السلطة
بهذه اللجنة فتحولت إلى مجلس بلدي. عمل المجلس مع أبناء المدينة وبالتعاون مع
الرهبنة الشويرية التي بنت فندقي الصحة وقادري فصارت زحلة مركزاً سياحياً مهماً
وسوقاً تجارية ومصرفية قام بدور فاعل في البقاع.
لم
تعرف المدينة الأحزاب السياسية إلاّ ابتداءً من عام 1909، أي اثر صدور الدستور
العثماني الجديد، فتألفت فيها أول هيئة سياسية اجتماعية ضمت حوالي أربعين شاباً
وأطلقت على نفسها اسم "الجامعة الوطنية الزحلية" وعملت مدّة سنتين، ثم
حُلّت. وبعد شهور من انفراط عقدها، ألف بعض أعضائها، بدعوة من شكري بخاش أحد أصحاب
جريدة "زحلة الفتاة" جمعية جديدة أطلقوا عليها اسم "الحلقة
الديمقراطية" ولكن بعض الزعماء لم يرضوا عنها فعمدوا إلى تفشيلها.
وتوالت
المحاولات، فكان "حزب الشبيبة الزحلية" (1912) و"جمعية محاربة
الهجرة" (1912) و"النهضة الشعبية الزحلية" (1913) و"نقابة
العمال الزحلية" (1923) و"عصبة حارة الراسية" (1926) و"حزب
الاستقلال الجمهوري (1934) وهكذا إلى أن قامت الأحزاب اللبنانية المعروفة، وصار
لها في المدينة فروع.
تم
ربط زحلة بالخارج لأول مرة بواسطة البرق عام 1886. وعرفت الهاتف عام 1912، يوم
أدخله إلى المعلقة قائمقامها حسين الأحدب، والراديو عام 1934 عندما استحضرت إدارة
فندق قادري أوّل آلة لاقطة. وفي عام 1907 تعاونت البلدة فجرّت المياه إلى حاووز
تلة دير مار الياس الطوق، ومن ثم وصلت المياه إلى المنازل.
ونوّرت
شوارع البلدة لأول مرة بالقناديل عام 1879 وعام 1920 عرفت زحلة الكهرباء بفضل يوسف
بريدي ورفاقه.
زحلة
مركز محافظة البقاع، وهي المدينة الثالثة من حيث الحجم والأهمية والدور في لبنان.
إنها قرية كبرت مع الزمن من غير أن تفقد أهم خصائص القرية وأبرز ملامحها. والعقلية
الزحلية، بشكل عام أقرب إلى العقلية الريفية منها إلى عقلية أبناء المدن.
وهذه
الذهنية جعلت من زحلة مجتمعاً يتأرجح بين المجتمع الريفي ومجتمع المدينة. فعلى
صعيد حياتها العامة نُلاحظ اثر القرية على ظاهرة هيمنة الرجل على الأسرة وحصر
عملية اتخاذ القرارات الأساسية به، كما نلمح هذا الأثر في بقاء الروابط العائلية
متينة، وفي الحفاظ على حرمة الجار ومُراعاة شعوره والتعاطي معه بإلفة واحترام.
ثم إننا نلحظ اثر القرى البقاعية في أفراح
زحلة وأتراحها، فكأن المدينة في مواسم البهجة والحزن أشبه بقرية يعرف أبناؤها
بعضهم بعضاً ويشاركون ويتعاونون ويفتقد بعضهم بعضاً إن توانى أو غاب.
ولعلّ
زحلة، في مظاهرها المدنية، كانت على مدى عشرات السنين، مثالاً لكثير من القرى
البقاعية. فكما دخلت بعض عادات هذه القرى وتقاليدها في الحياة الزحلية، تسربت بعض
أساليب وعادات الزحليين إلى القرويين، سواء أكان عن طريق المدرسة أم عن طريق سواها
من المؤسسات كالمصارف (اثنا عشر فرعاً) والمستشفيات (ثلاثة، اثنان خاصان وثالث
حكومي) والنوادي (ثلاثون بين ثقافي ورياضي واجتماعي).
ولقد
شهد البقاع في النصف الثاني من هذا القرن تبادلاً ثقافياً واجتماعياً ورياضياً
نشيطاً، فاكثيرون من الزحليين حاضروا في العديد من القرى البقاعية أمثال: سعيد عقل
وخليل فرحات وميشال طراد ورياض معلوف وجوزف صايغ ابي طعان واميلي نصرالله وأنيس
مسلّم وأمل فريجة وريمون قسيس، كما حاضر وألقى شعراً في زحلة بقاعيون كثر أمثال
الامام موسى الصدر وسليم حيدر وأسعد دياب وجميل فرحات ونجيب جمال الدين وعلي شرف
وجودت حيدر.
وهذا
التعاون الثقافي رافقه تعاون سياسي واقتصادي آثاره لا تزال ظاهرة وبالغة الدلالة.
ولأن زحلة عرفت أكثر من أية مدينة سواها لغة البقاعيين وأتقنتها، فقد حققت ثلاثة
أمور جوهرية:
1-
ازدادت وعياً لأهمية وجودها في هذه المنطقة الخيّرة،
وإدراكاً لأهمية القرى البقاعية في حياتها.
2-
عمقت في البقاعيين وعيهم لذواتهم ولقضاياهم الأساسية،
ومحضت علاقاتها بهم أبعاداً تجاوزت المصالح المشتركة وروابط الجوار إلى ما يصح
تسميته بالمصير الواحد.
3-
رسخت أسس العيش اليومي لقضايا المواطن والوطن، فظل
البقاع، على الرغم من كل الهفوات والثغرات قدوة في التعاطي والعيش السليم.
من هنا إن علاقة الزحليين بالبقاعيين لم
تساهم في عملية تطوير الريف البقاعي وازدهار قُراه وحسب، وإنما أيضاً في المحافظة
على المسحة الريفية السليمة على وجه زحلة، وفي حماية العافية الريفية في الجسم
البقاعي فكبرت زحلة وتوسعت وتكاثف عدد سكانها وتطوّرت مؤسساتها من غير أن تفقد
خاصتها الريفية بحيث بقيت أقرب إلى القرية الكبيرة منها إلى المدينة الصغيرة، ولعل
الفضل في ذلك يعود إلى علاقاتها
الطيبة بأبناء القرى المحيطة بها.
إن علاقة الزحليين بالبقاعيين كانت ولسوف
تبقى علاقة تعاون وتكامل، وهي في كل الحالات علاقة يُقتدى بها، لهذا، فان زيارة
الحبر الأعظم لزحلة، إنما هي زيارة لكل البقاع، وفي الوقت عينه تقدير لهذه العلاقة
الأخوية التي تربط بين أبنائه.