المراحل الأساسية في الصحافة اللبنانية

 

من 1962 الى 1975

مقدمة

من 1976 الى 1990

من 1858 الى 1914

من 1990 الى اليوم

من 1918 الى 1943

 

من 1943 الى 1962

مقدمة

          إن الصحافة اللبنانيّة، التي هي وريثة أكثر من قرن في العمل المهني، تعتبر حالياً واحدة من اهمها في الدول العربية، سواء أكان بالنسبة لجمهورها داخل البلد وخارجه، أم بالنسبة الى تعدديتها وسلطتها ومضمونها وفريق عملها المميّز.

 

يتأسس هذا التقليد على خصائص طبعت اللبنانيين أبرزها: تعلّقهم بالحريّة، وتعطشهم الى المعرفة وشغفهم بالمغامرة والسفر وحسهم التجاري.

         

          فالشغف بالكتابة الصحافية، والمناخ الليبرالي، وضمانة الدستور للحرّيات في التعبير وفي الصحافة (المادة 8 و 13) تفسّر جزئياً وجود صحف من كلّ الاتجاهات وفي لغات كثيرة (عربية، فرنسية، ارمنية وإنكليزية).

 

          يفسّر هذه الظاهرة أيضاً:

-        عدد الصحف الكبير نسبياً: 57 صحيفة يوميّة، 50 اسبوعيّة و4 شهرية سياسيّة وألف وثلاثماية مجلّة متخصصة، منها ثمانون تقريباً ذات طابع ديني. نشير في هذا السياق، الى أن القانون يقسّم الصحف الى سياسية وغير سياسية، وقد توقف اعطاء التراخيص بالفئة الأولى منذ عام 1953. لهذا ارتفعت أسعار الامتيازات في السوق السوداء وما تزال.

-        قِدَمُ بعض الصحف التي ما برحت تصدر حالياً ("زحلة الفتاة" 1910 "النهار" 1933).

-        كون هذه الصحافة صارت بمثابة صوت القوى السياسيّة والطائفية، وأحياناً منبراً للبلاد العربيّة.

 

من 1858، وهو تاريخ انشاء أوّل جريدة لبنانيّة، "حديقة الأخبار"، وهي السنة ذاتها التي وُلدت فيها اول جريدة عربيّة اللغة في الخارج، اسطنبول أصدرها اللبناني اسكندر شلهوب، حتى 1914، كانت أكثر الجرائد اللبنانية جرائد رأي ومشاريع شخصيّة وتنتمي الى النزعة الليبراليّة.

بدءاً من الخمسينات بدأت تصدر صحافة اعلاميّة مستقلّة تقريباً وتتجاوز الإطار العائلي، وقد لاقت صعوبات كثيرة لعدم التزامها في الصراعات السياسيّة.

نشير في هذه العجالة الى المراحل الخمس الاساسية التي قطعتها:

 

من 1858 الى 1914

 

          ظهر في البلد خمسون صحيفة سياسيّة (يوميّة، نصف اسبوعيّة، اسبوعيّة) وستّ وعشرون مجلّة أدبيّة وعلميّة. هذا اضافة الى سبع وتسعين مجلّة أخرى ظهرت لفترات قصيرة نسبياً ثم توقفت عن الصدور.

 

          تختصر ميزات صحف تلك الحقبة بالصفات التالية: دعوة الى الوحدة الوطنيّة والى الأخوّة الإنسانيّة وتأليب القراء ضد الظلم العثماني. إن معظم هذه الصحف احتجبت اثناء الحرب العالميّة الأولى.

 

من 1918 الى 1943

          استعادت الصحافة مسارها السليم. وقد شجّع التقدّم التقني، والانتخابات العامة، والتعليم والثقافة الغربيّة، ظهور صحافة باللغات الأجنبية (الرفيل، ولا سيري 1920، المعرض 1921 والأوريان 1923). على الصعيد السياسي وجدت الدعوة الى الاستقلال عن طريق الصحافة، دعماً فكريّاً قادراً على تمهيد التواصل بين الجماهير. كانت أكثريّة الصحف تخلق، بشكل بطيء ولكن أمين، الوسط الفكري والوطني للبنان المستقلّ.

 

من 1943 الى 1962

إن الظهور الكثيف للصحف السياسيّة دفع السلطة الى التدخل لتحدد عددها. في تلك الحقبة، برز اتجاهان بشأن حريّة الصحافة، الواحد يدعم توجيه التشريع صوب حماية ايجابيّة للصحافة، والآخر، في 1949، طالب بحصر حريّة الصحافة، عقب المعارضة الضارية لرئيس الجمهورية بشاره الخوري، التي حسب قول البعض، "لم تخلخل التوازن بين الطوائف وحسب، بل أيضاً توازن الفئات"، خصوصاً عقب الحكم بالإعدام على زعيم الحزب القومي السوري انطون سعاده، وتنفيذه.

 

في تلك الحقبة أيضاً أُنشئت وزارة الأنباء وظهرت صحف هامة: "الصياد" 1943، "الحياة"، "الحوادث"، "لوسوار" 1946، "الأنباء"، "كل شيء" 1947، "الشراع" 1948، "ذي ديلي ستار"، "صدى لبنان" 1952، "الجريدة" 1953، "السياسة، "بيروت المساء"، "لسان الحال" 1956، "الأنوار"، "لو ماتان"، "ماغازين"، الأسبوع العربي"، "الشعب"، 1959 و "المحرر" 1962.

 

كانت هذه المرحلة عصر الصحافة اللبنانية الذهبي.

 

من 1962 الى 1975

          منذ مطلع الستينات، لامست الصحافة اللبنانية نضجها، وبفضل نمو الإعلان لم تعد الصحف تتوجّه الى النخبة فحسب بل الى مجموع الشعب. بعض الصحف تعدّ حتى الحدود اللبنانيّة ليطال قراء في أكثر العواصم العربيّة. غن قانون 14/6/1962، النظام الحالي للصحافة مع التعديلات التي ادخلت عليه، طبع تلك الحقبة. وقد حمى هذا القانون الصحافة من المداخلات التعسّفيّة ومن اعتباطيّة الإدارة. كما عنى بتأمين المواطنين والدولة ضد الحملات المغرضة التي يمكن أن يقوم بها بعض الصحف لهدف لا يتلاءم مع رسالة الصحافة.

 

          كان لا يزال يوجد بعض التوازن في العلاقة بين الصحافة وشركتي التلفزيون اللبنانيتين.

 

من 1976 الى 1990

          إنها الحقبة الاكثر ظلاماً في تاريخ الصحافة. تحمّلت، على غرار جميع المؤسسات اللبنانيّة الأخرى، النتائج المشؤومة للحرب الظالمة التي دامت خمس عشرة سنة وهدمت بُنى البلد التحتيّة.

 

          وإبان المراحل المختلفة للحرب أصدرت الأحزاب السياسيّة والميليشيات المتنوّعة عدداً كبيراً من المنشورات (حوالي 150) بعضها كان ظريفاً، وأخرى دامت بضعة اشهر، وأحياناً سنوات. ولكنها كانت كلها غير شرعيّة وتوقّفت عن الصدور في نهاية الاحداث.

 

من 1990 الى اليوم

          في هذه السنوات الأخيرة، تبدّل الوضع الإعلامي، وتحاول الصحف التكيّف مع هذا التطوّر. في الماضي، كانت الحكومة والطبقة السياسيّة توجّهان انتباههما صوب الصحافة المكتوبة. اليوم يتكلّم السياسيّون والاحزاب بالأحرى عن الإعلام المرئي والمسموع وعن سياسة هذه الوسائل الإعلامية.

 

          إن العائق الاكبر الذي تواجهه الصحف حالياً، ينشأ عن اوضاعها الاقتصادية الصعبة وعن مدخول توظيفاتها الضعيف. ومع أن التوظيفات الإعلانية في مجموع وسائل الإعلام بلغت سنة 1995 الرقم القياسي 125 مليون دولاراً، فإن مدخول الصحف من الإعلان تراجع بسبب منافسة الإذاعة والتلفزيون وارتفاع عدد المحطات والشبكات الخاصة. 

         

وعلى الرغم من الازمة الاقتصادية المتوصلة بسبب انعكاسات الحرب وضعف الدولة، كعامل سياسي واقتصادي أساسي، فإن عدد الصحف اللبنانية لم ينقص.

 

          في 31 كانون الاول 1996 كان مجموع عدد الصحف السياسية المرخصة قانوناً في لبنان 57 صحيفة يوميّة، منها 56 في بيروت وصحيفة واحدة في طرابلس و50 اسبوعية و 4 شهريّة، لا يصدر منها فعليّاً غير 15 يومية و22 دوريّة. كل الصحف اليوميّة تُباع تقريباُ في الصباح بالعدد 80% يبيعها المنادون، 18% في المكتبات و2 % فقط تباع عن طريق الاشتراك.

          تمثل عملية بيع الصحف بالنسبة الى عدد لا يستهان به من الشبان مهنة منتظمة. إنهم جميعهم رجال بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر.

 

          نشير هنا الى أن لبنان لم يعرف اسلوب الصحف الجانيّة إلاّ مؤخراً اذ تصدر حالياً جريدة اسبوعية واحدة يقتصر محتواها على الإعلان "الوسيط"، وأن الصحافة تبقى دائماً بعيدة عن المدرسة ولم تساهم في تنظيم دروس للتلامذة بغية تعليمهم القراءة خارج الصفوف واستخدام الصحيفة بمثابة دعم بيداغوجي.

         

          على صعيد الإعداد المهني، إن الصحافيين العاملين والعاملات في الوسائل المرئية والمسموعة، هم في معظمهم خريجو كليّة الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية التي تأسست سنة 1969، أو خريجو مدارس للاتصال خاصة. إن هذا النموّ للمعاهد الخاصة وللكليّة الرسميّة يشهد على الاهتمام الذي يثيره عند الشباب عالم الإعلام.

 

          نلفت انتباه القراء أخيراً إلى أنه يوجد في لبنان نقابتان متميزتان ومستقلتان في المهنة ذاتها:

 

أ – "نقابة الصحافة" التي تجمع كل مالكي الصحف المتمتعين بالشروط المطلوبة من الصحافيّين المهنيّين، رئيسها الحالي هو النقيب محمد بعلبكي.

          ب – "نقابة المحرّرين" التي تجمع الصحافيّين المهنيين غير مالكي الصحف، رئيسها الحالي هو النقيب ملحم كرم.

 

          ولا يوجد مع ذلك إلاّ لوح واحد يسجّل عليه، معاً، الصحافيّون مالكو الصحف والمحرّرون. ينبثق عن النقابتين "اتحاد الصحافة اللبنانية"، وهو جهاز يؤمّن حماية المصالح المشتركة، وكل ما يُعنى بالصحافة اللبنانية.

 

د. أنيــس مسلّـــم