اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي
الإسلامي
بمناسبة
زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني التاريخية الى لبنان في 10 و 11 ايار سنة
1997، رأت "اللجنة الاسقفية للحوار المسيحي الإسلامي" في لبنان أن تعرّف
بمهمّتها ورسالتها، لأن الحوار المسيحي الإسلامي والعيش المشترك والعلاقات
المسيحية الإسلامية، والحوار بين الأديان، الى أهمّيته في لبنان والعالم، فإن
قداسة البابا يوحنا بولس الثاني قد أولاه كبير اهتمامه. فكلماته حول الحوار بين
الأديان هي في هذا العصر، من أصفى الكلمات التي تدعو الى التقارب بين الناس
والشعوب والتعاون والمحبة والسلام والوحدة.
اسم اللجنة: اللجنة
الاسقفية للحوار المسيحي الغسلامي
المركز والعنوان: دير
مار الياس – انطلياس – لبنان
تلفون:
410568/01 – 414420/01 – 415717/01
فاكس:
405387/01
مجلس اللجنة
الرئيس سيادة
المطران بولس منجد الهاشم رئيس أساقفة بعلبك ودير الأحمر
نائب الرئيس قدس
الارشمندريت سليم غزال رئيس عام الرهبنة الباسيلية المخلصية
أمين السرّ الاب
انطوان ضو رئيس دير مار الياس – انطلياس
البروفسور الأب عادل عيودور خوري، الاب سمير خليل اليسوعي، الاب
مشير عون البولسي، الأخت جوديت هارون الأنطونية، د. أنيس مسلّم، د. جوزف ابو
نوهرا، د. انطوان سعد، د. انطوان نجيم، د. انطوان سيف، الاستاذ صلاح مطر، الاستاذ
البير الزغبي، المحامي رامز سلامة والأستاذ جوزف خريش.
المندوبون
مندوبون عن البطريركيات والأبرشيات والرهبانيات الرجالية والنسائية
والجامعات ومراكز الابحاث.
إنّ
"اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي" هي منبثقة عن "مجلس
البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان"، الذي أسّسها سنة 1993، وهي تعمل
بإشرافه من اجل تعزيز الحوار بين الأديان، لا سيّما الحوار المسيحي الإسلامي،
وتوثيق العلاقات المسيحية الإسلامية، وترسيخ العيش المشترك الذي هو عيش القيم
الإنسانية والروحيّة والعلميّة والثقافيّة والاجتماعيّة، من أجل بناء مجتمع
الأخوّة والعدالة والتسامح، ودولة القانون والمؤسّسات والحريّة والديمقراطية
والمساواة والتنمية والمحبّة والتقدّم والسلام.
في
مواقفها الفكرية، تنطلق اللجنة من تعاليم الإنجيل والكنيسة، وشرعة حقوق الإنسان
وملحقاتها، ومن خبرة أبنائها التاريخيّة الغنيّة والمميّزة، لا سيما في لبنان وفي
الشرق الانطاكي والعربي، حيث العيش المشترك اليومي هو قيمة حضاريّة وسياسيّة
وروحيّة فائقة وثمينة، وهو أيضاً مشروع حياة مشرق وواعد بكل خير، رغم كل الصعوبات
والأخطاء والتحدّيات.
إن
موقف الكنيسة الكاثوليكية من الأديان عامّة، ومن الإسلام بخاصة، قد شهد تطوّراً
إيجابياً، وانفتاحاً على الآخر، ومعرفة أعمق بالإسلام، وفهماً لمعنى رسالة الخلاص
الشاملة في عالمنا المعاصر. وذلك بسبب تقدّم علم الإسلاميات عند المسيحيين وتعاليم
المجمع الفاتيكاني الثاني، وتقدّم لاهوت الحوار بين الأديان والثقافات، والانفتاح،
والعولمة، والوحدة فضلاً عن تقدّم تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات وتطوّر العلوم
والإعلام والاقتصاد.
والمجمع
الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) فتح باب الحوار المعمّق بين الأديان، وجعل
الكنيسة الكاثوليكية في طليعة العاملين في هذا الحقل. فكانت ثقافة الحوار، أو
لاهوت الحوار، والتربية على الحوار، والمجلس الحبري للحوار بين الأديان في
الفاتيكان سنة 1964، واللجان الأسقفية الوطنية والمحليّة، ومراكز الأبحاث
والدراسات في الجامعات، والمؤتمرات واللقاءات والأبحاث والإعلام والنشر في سبيل
التقارب والتقريب بين المسيحيين والمسلمين وسائر الأديان بين بعضها البعض.
لقد
تحوّل الخطاب اللاهوتي من الأحكام المتشدّدة، ورفض التواصل مع الآخر المختلف، الى
الحوار معه واحترام إيمانه واكتشاف الإيجابيات في الأديان غير المسيحية وضرورة
التلاقي معها. لقد أكّد المجمع على المفاهيم الأساسية للعلاقة بين الناس ودعا
"قبل كل شيء الى اعتبار ما هو مشترك بين الناس، ومن شأنه أن يقودهم الى شركة
أوثق".
كما
أنه رأى أن القيم الصالحة والمقدّسة في الأديان والثقافات يجب احترامها وصونها
ودعمها. لأن الله يريد خلاص جميع الناس. وبإمكان غير المسيحيين نيل الخلاص إن هم
كانوا أمناء:
"إن
إرادة الله الخلاصيّة تشمل الذين يعترفون بالخالق، ولا سيّما المسلمين بينهم،
الذين ينتمون الى إيمان ابراهيم ويعبدون معنا الله الواحد الرحيم الذي سيدين البشر
في اليوم الآخر. أمّا الآخرون، الذين يبحثون عن الله في الظلّ وبواسطة الرموز،
فليسوا بعيدين عن الله الذي يهب للجميع الحياة والنفس، ويريد كمخلّص أنّ جميع
الناس يخلصون. لأن الذي لم يبلغ الى معرفة إنجيل المسيح وكنيسته وذلك بدون ذنب
منه، ولكنه يبحث عن الله بقلب صادق ويحاول بفعل النعمة أن يتمّم عملياً إرادته
التي اطّلع عليها في نداء ضميره، فذلك يمكنه أن ينال الخلاص الأبدي. فأن العناية
الإلهية لا تحرم الأمور الضرورية للخلاص لأولئك الذين لم يبلغوا بعد الى الاعتراف
الصريح بالله. وذلك بدون ذنب منهم، ولكنهم يجتهدون بفعل النعمة أن يحيوا حياة
قويمة".
لقد
شهد الموقف من المسلمين في عصرنا الحاضر تحوّلاً كبيراً. فمن سلبيات غالبية
المفكّرين الغربيين والبيزنطيين الذين ركّزوا على الدحض والتفنيد، انطلق فكر مسيحي
جديد يدعو الى التقدير والاعتبار واحترام الآخر، والحوار والتعاون، ويثمن العيش
المشترك كما عاشته الكنيسة المارونية وسائر الكنائس المشرقية في العالم العربي بامتياز
وبإيجابية على الرغم من كل الصعوبات والتحدّيات والمخاطر والسقطات التي اعترضت هذا
الانفتاح الحديث.
موقف
المجمع الفاتيكاني الثاني من الديانة الإسلامية هو انطلاقة جديدة، جريئة، بنّاءة
وتوحيدية. فيقول:
"إن
الكنيسة تنظر بتقدير الى المسلمين الذين يعبدون الله الأوحد، الحيّ القيّوم،
الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجّه كلامه الى البشر، وإنهم يسعون في
الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الخفيّة كما خضع ابراهيم لله، الذي ينتمي اليه الإيمان
الإسلامي بطيبة خاطر.
وانهم
يجلّون يسوع كنبي، وإن لم يعترفوا به كآله. ويكرّمون مريم أمّه العذراء كما أنهم
يدعونها أحياناً بتقوى.
وعلى
ذلك فإنهم ينتظرون يوم الدين الذي فيه سوف يبعث الله الناس وسيجازيهم. ولذلك
يشدّدون على السلوك الأخلاقي، ويعبدون الله خصوصاً بالصلاة والصدقة والصوم.
وإذا
كانت قد نشأت، على مرّ القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين،
فالمجمع المقدّس يحضّ الجميع على أن يتناسوا الماضي، ويسعوا في تحقيق تفاهم صادق
بينهم، ويعملوا معاً على صيانة ودعم العدل في المجتمع والقيم الأخلاقية، وأيضاً
السلام والحريّة لجميع البشر".
إن
"اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي" لها نظامها الأساسي، وضعته
بعد تأمّلات ونقاش وحوار وبحث. وقد وافق عليه "مجلس البطاركة والأساقفة
الكاثوليك" سنة 1996. وهاكم النصّ الكامل للنظام الأساسي:
1- هويّتها
"اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي
الإسلامي" هي لجنة منبثقة عن "مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك"
في لبنان، تعمل بإشرافه وتنطق باسمه.
2-
روحانيتها
تعمل اللجنة بذهنية منفتحة لتقريب وجهات
النظر بين المسيحيين والمسلمين، ودعم الأسس الدينية والأخلاقية للعيش معاً، وفقاً
لتوجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يحضّ المسيحيين والمسلمين: "على
العمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم فيما بينهم وأن يحموا ويعزّزوا كلهم معاً، من
أجل جميع الناس، العدالة الاجتماعية، والقيم الروحية، والسلام والحريّة"
(علاقات الكنيسة بالأديان غير المسيحية، 3).
3-
أهدافها
تعزيز الحوار بين المسيحيين والمسلمين في
لبنان حول شتّى الأمور الحياتيّة التي تتناول القيم الدينية والإنسانية
والاجتماعية لتحقيق الأهداف التالية:
أ-
تعريف المؤمنين في كل من الديانتين المسيحية والإسلامية
بعقيدة الديانة الأخرى وأخلاقياتها، بغية الإغناء المتبادل وتحاشي الالتباسات.
ب-
السعي الى تفهّم الآخر وقبوله كما هو، في مبادئه
الإيمانية والأخلاقية.
ج- العمل على إبراز المبادئ المشتركة التي
تشكّل أساساً للعيش معاً في وطن واحد تسوده المساواة بين جميع المواطنين.
د- الإسهام في تحقيق توافق بين المسيحيين
والمسلمين حول الأمور الحياتيّة المشتركة في المجتمع، كالحريّة الدينية في المعتقد
والممارسة، وحقوق الانسان، والعدالة، والسلام، والزواج المختلط.
ه- التربية على الحوار والعيش المشترك
والتعاون مع اللجان الأسقفية المعنية بالشأن التربوي والثقافي في سبيل وعي أعمق
للآخر ومعرفة أوسع للديانات كافة.
4-
وسائلها
لبلوغ هذه الاهداف، تعتمد اللجنة وسائل
مختلفة منها:
أ- تكوين فريق عمل من إكليروس وعلمانيين.
ب-
عقد لقاءات بين أعضاء اللجنة وفريق العمل، ومن ترتأي
اللجنة دعوتهم:
1-
للتعرف على الفكر المسيحي المعاصر في موضوع الحوار، انطلاقاً من تعاليم المجمع
الفاتيكاني الثاني، واستناداً الى جميع الوثائق الرسمية التي تصدر عن الكرسي
الرسولي الروماني، وبطاركة الشرق الكاثوليك، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، وعن كنائس
وهيئات مسيحية أخرى، وعن اللجان العالمية للحوار.
2-
للتعرّف على الفكر الإسلامي المعاصر في موضوع الحوار.
ج- نشر الفكر المسيحي في موضوع الحوار
بواسطة مختلف وسائل الإعلام.
د- عقد لقاءات ندوات ومؤتمرات مشتركة مع
المسلمين للبحث في المواضيع الإيمانية والأخلاقية ومختلف القيم الإنسانية وأخصّها
العدل والسلام وحقوق الإنسان.
ه- التعاون مع الهيئات واللجان والمراكز
التي تعمل لتفعيل الحوار المسيحي الإسلامي.
إن
الحوار بين الأديان عموماً، والحوار المسيحي الإسلامي على وجه الخصوص، والعلاقات
المسيحية الإسلامية، والعيش المشترك، تبدو بالنسبة للكثيرين مفاهيم غير واضحة،
تحتمل تأويلات غالباً ما تكون متباعدة بمعانيها ومراميها.
أمّا
بالنسبة لنا فهي علم ونعمة وحياة يومية ومشروع مستقبل.
صحيح
أن مقولة الحوار المسيحي الإسلامي مقولة حديثة العهد، وفدت إلينا من الغرب. إلاّ
أنّنا فهمناها فكراً مشتركاً والتزمنا بها نضالاً يومياً مشتركاً على كل الصعد، لا
سيّما منها الدفاع عن المظلومين والمحرومين والمستضعفين والفقراء والمضطّهدين
والمهجّرين.
وقد
أغنينا الحوار بالعيش المشترك.
ولكن
هذه المقولات والمفاهيم هي بحاجة مستديمة الى توضيح وإثراء وتجديد. فعلم الحوار
بين الأديان والثقافات والحضارات والشعوب هو مسألة حيوية، وتقنيّة أيضاً، تطال
الإنسان والإنسانية، الجماعات الصغرى والمجتمعات الكبرى، الدول والعالم. إنه علم
وتاريخ وتربية وإعداد للمستقبل.
إن
"اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي" هي لجنة كنسية تسعى بوعي
وإخلاص ومحبّة وتواضع الى تنوير المسيحيين في لبنان ومساعدتهم عبر كلمة الله
وتعاليم الكنيسة واجتهادات الباحثين والعاملين في حقل الحوار والممارسة الشعبية
العفوية الصادقة من أجل ترسيخ الإيمان، والتعاون مع الكنيسة ومؤسّساتها، ومع ذوي
الارادات الطيبة، لتقريب القلوب وتنوير الأذهان والعقول، وعيش المصالحة والمسامحة،
وتقدّم لاهوت الحوار، وتعميم ثقافة الانفتاح والوحدة، واحترام الآخر ومحبّته
والالتزام بخلاصه وتقدّمه وحريّته، والتعاون والتنسيق والتضامن، كاشفة عن مثالب
التعصّب والجهل والانعزال والظلامية، مشدّدة على ضرورة رفض البغضاء والكراهية
ومخاطر العنف والفتنة والاقتتال، ساعية الى إبراز قيمة الوحدة والسلام بين أبناء
الله الواحد. في وطن موحّد سيّد حرّ مستقلّ، متضامن مع بيئته العربية المنتمي
إليها انتماء تاريخ ومصير، ولتعزيز عيش المسلمين والمسيحيين فيه بحريّة ومساواة
وعدالة وسلام ووحدة ندافع عنه معاً: عن استقلاله ووحدته وتقدّمه.
كما
بات لزاماً علينا أن نعيش، مسيحيين ومسلمين، في عالم جديد يسير نحو الانفتاح على
بعضه البعض، وباتجاه مزيد من الوحدة والعمولة. وان رسالتنا فيه هي في أن نرسّخ هذه
الوحدة في القلوب أولاً، وبين الدول والشعوب تالياً، عملاً بإرادة ربّ العالمين،
وتأكيداً لدورنا الرسالي الحضاري.
إن
بقاء لبنان ونهضته وتقدّمه ورسالته العربية والعالمية هو مسألة مسيحية إسلامية
وطنية مشتركة. فبقدر ما يتعاون المسيحيون والمسلمون بإخلاص وثقة ومحبّة حول
قضاياهم المشتركة والمصيرية، بقدر ما تكون وحدتنا الوطنية صادقة مثمرة، مبدعة
خلاصية ورسالية.
أخيراً
إن دور "اللجنة"، من بين مجمل الأدوار التي تضطلع بها، هو تنشيط حقل
الحوار المسيحي الإسلامي والعاملين فيه في مختلف الميادين وعلى كل المستويات،
والتعاون مع كل المؤسسات المختصّة والمهتمّة، مؤكّدة على أن الحوار الحقيقي هو
الحوار الفكري الحرّ والمسؤول، وحوار الحياة المشتركة، الحوار الروحي والحوار
الوطني، حوار أبناء الله الواحد فادي ومخلّص البشر، كل البشر، في لبنان واحد موحّد
لأبنائه كافة.
إن
الكنيسة هي أمّ ومعلّمة. والكنيسة في لبنان تدعونا الى تكثيف الحوار وتعميق
المعرفة بالمسيحية والإسلام، والى المزيد من التعاون الأخوي من أجل أن نعيش معاً
مسيحيين ومسلمين ونبني مستقبلنا معاً.
بهذا
الحوار الروحي والفكري والحياتي الذي ندعو
إليه ونعمل على تطويره بالمجانية والجرأة، بالمحبّة والإيمان والرجاء.
يستقيم العيش المشترك المسيحي الإسلامي في لبنان نموذجاً راقياً للتعاون البشري
أينما كان على سطح كوكبنا.
وبهذا
الخيار نؤكّد بالفعل ما قاله قداسة البابا يوحنا بولس الثاني من أن "لبنان
أكثر من بلد: إنه رسالة".
الأب انطــوان ضــو
أميــن الســـرّ