البطريرك في لقاء الشبيبة، أمام البابا
شبيبة لبنان تتطلع إلى الإسهام في بناء مجتمع تحترم فيه حقوق الإنسان
التاريخ: 10 أيار 1997
المكان: بازيليك سيدة لبنان في حريصا
الموضوع: لقاء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني مع الشبيبة اللبنانية
يسعد شبيبة لبنان
ويشرّفها أن تتمكن من لقاء قداستكم، وأن تسألكم بركتكم الرسولية. إن الشبان
والشابات الذين يحتشدون في هذه الكنيسة، تحت نظر سيّدة لبنان الوالدي، يمثّلون
الشبيبة اللبنانية، على اختلاف انتمآتها الاجتماعية والمذهبية والدينية. لقد
عرفوا، لانهم سمعوا وقرأوا، أن قداستكم تخصّون الشبان والشابات برعاية مميّزة. ولم
يكونوا على خطأ في ما ذهبوا اليه.
ان شبان وشابات
لبنان، وقد صهرتهم تجربة الحرب التي عانوا من ويلاتها ، طوال سبع عشرة سنة،لم يكن
باستطاعتهم، في معظمهم، أن يسافروا إلى روما، ليسعدوا بلقيا قداستكم. وإذا بكم
معهم، أيها الأب الأقدس، هذا المساء، ومعنا نحن رعاتهم، على مثال السيد المسيح
الذي أحبّ الشبّان، واليافعين، والأولاد، المسيح الذي تمثّلونه على الأرض. إنكم
معنا لتشجّعوا شبابنا على تطليق الهواجس، والمخاوف، وعلى التطلّع إلى المستقبل
بثقة، وعلى إثبات وجودهم، والاطّلاع بمسؤولياتهم تجاه ذواتهم، وعائلاتهم،
ومجتمعهم، ووطنهم المشترك.
شكراً لكم، أيها
الأب الأقدس، على وجودكم معنا، وفيما بيننا. انا لنبتهج بالاستماع إليكم تردّدون
علينا ما قلتموه في رسالتكم إلى شبيبة العالم كله، في مناسبة يوم الشبيبة الثاني
عشر العالمي هذه السنة، وهو: «أزيلوا حواجز السطحية والخوف».
إن شبيبتنا في
حاجة إلى سماع هذه الأقوال الخلاصية من فم أب مفعم بالحكمة والشجاعة والمحبة التي
يكنّها لهم. إن الذين هم هنا، في هذا المساء قد اختيروا من بين الذين تتراوح
أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين. انهم جيل الحرب. وكانت حربًا جرّت
معها الويلات، والنكبات، والصدمات النفسية على أنواعها فطبعت أبناءها بطابع خطير.
ليس في نيّتي أن
استعيد ذكريات هذه الحرب التي لا تُمحى، ولا أن أنكأ جراحًا لم تندمل بعد، أو أن
استذكر مآسي عاشها الذين رأوا عزيزاً عليهم يسقط تحت شظايا قذيفة، ملطّخًا بدمائه
ابنًا أو أخًا أو أختًا، ذلك أن شبيبتنا تواّقة إلى السلام والصفاء. وهي تتطلّب
أيضًا الوضوح والشفافية في مجتمع تعدّدي تريد أن تساهم في إرساء على قيم ثابتة.
لهذا إنها تلوذ، على مثال آبائنا وأجدادنا في جبالهم، في مجملها، بالإيمان
والممارسة الدينية.
ان شبيبة لبنان
التي تتطلّع إلى الاسهام في بناء مجتمع يتوطّد فيه النظام الديمقراطي، وتُحترم فيه
حقوق الإنسان، ويضمن العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، في مناخ من الحرية، ترى ذاتها
حتى الآن عاجزة عن الوصول، على الصعيد السياسي، إلى بعض مراكز المسؤولية. غير أنها
قد برهنت عن سخاء، على الصعيد الاجتماعي، وعن التزام أكيد بالقضايا العادلة
النبيلة. وهذا، والحمد لله، ما ساعد على تكاثر الدعوات الكهنوتية والرهبانية في
أيامنا.
ويسرّنا أن نقول
ان الشبيبة اللبنانية هي واعدة، وتريد ان تقيم نهائيًا في وطن الأرز، لتستثمر فيه
طاقاتها دون ان تبحث عن مكان آخر، على أن تتمكّن من عيش كريم، دون أن تعبأ بما قد
يخبئ لها من هموم غدها غير الأكيد. وهي تشعر بعدم الاطمئنان أمام الصعوبات التي
تعرقل في منطقتنا مسيرة السلام التي بدونها لا سلام ممكنًا، على ما يبدو، في
لبنان. إن شبيبتنا واثقة من نفسها، وبوطنها، وبالتالي بمستقبلها. وهي تعتمد على
إيمانها بالله، وعلى ذاتها، وبما أوتيت من نشاط وهمّة عالية، وبخاصة على ما تقومون
به قداستكم في سبيل لبنان على صعيد المجموعة الدولية لتنصف بلدنا.
ان ما أوردتموه
قداستكم في رسالتكم إلى شباب العالم، هذه السنة، من أقوال سيكون له صداه، دونما
شكّ في قلوب شبابنا وشاباتنا. وكيف لا يعيرون انتباههم ما تقولونه عندما تؤكّدون
لهم أن «المسيح باق إلى جانبكم في الأخوة الذين تشاطرونهم الوجود اليومي. ووجهه هو
وجه الفقراء، والمهمّشين، الذين غالبًا ما يكونون ضحايا نمط تطوّر غير عادل يضع
الربح في مكان الصدارة ويجعل من الإنسان وسيلة لا غاية».
وانّا، اذ نتوجّه
إلى سيّدة لبنان، نسأل الله بشفاعتها أن يطيل عمر قداستكم لخير البشرية، وبخاصة
لخير شبيبة العالم التي ترى، مثلنا جميعًا، في قداستكم، زارع حقيقة، ورجاء، ومحبة،
وسلام.