البطريرك الماروني في قداس بيروت
حضوركم فعل إيمان منكم بوطننا وعلامة أمل بأن ينعم
بتقرير مصيره
التاريخ: 11 أيار 1997
المكان: ساحة البرج القديمة بيروت لبنان
الموضوع: القداس الحبريّ للبابا يوحنا بولس الثاني
أخيراً، هوذا
أنتم، أيها الأب الأقدس، في لبنان، هذا البلد الذي احببتموه والذي يكنّ لشخصكم
الاثيل احترامًا عميقًا وإعجاباً كبيراً. لقد تمنيتم، يا صاحب القداسة، أن تزوروا
بلدنا، منذ سنوات. ولم يكن هناك ما يعادل هذا التمنّي سوى تمنّي اللبنانيين، على
اختلاف مشاربهم. لقد تحققت رغبتهم، هذا اليوم، في ان يروكم تطأون أرض بلدهم. ان
زيارتكم لأشبه بالزيارة التي قام بها الرب يسوع، لالفي سنة مضت، لإحدى أقدم مدننا:
صيدا حيث شفى ابنة امرأة وثنية أظهرت إن ايمانها به كان أقوى، لانه أبسط، من إيمان
بعض اقرب الناس اليه.
هذه الزيارة التي
طالما انتظرناها هي بلسم لجراحنا. ويمكننا القول اكثر من ذلك. فهي، قبل أن تتمّ،
كان لها مفعولها المفيد، عبر المجمع الراعوي من أجل لبنان الذي اعلنتموه، منذ ست
سنوات. وهي مناسبة لنا لكي نعرب لقداستكم عن شكرنا العميق لكل ما فعلتموه من
أجلنا، طوال سنوات المحنة القاسية.
لمن نافل القول ان
قداستكم قد واكبتم، عن كثب، بقلب يعصره الالم، المأساة اللبنانية بكل تعرّجاتها.
وما من أحد يمكنه أن ينسى أنكم أوفدتم إلينا، غير مرّة، هذا او ذاك من اقرب
معاونيكم اليكم، ليعرب لنا عن اهتمامكم الأبوي بنا، عندما كان بلدنا طعمة للنار
واللهيب. ولم تدعوا فرصة تفوت دون أن تلفتوا انتباه كبار العالم إلى ما كان يُرتكب
تحت سمائنا من مخاز. لقد استنهضتم غير مرّة همم وكالات المساعدات الإنسانية لتسارع
إلى نجدتنا. لقد حسّستم الكنيسة جمعاء، بالقضية اللبنانية، فوجهتم رسالة راعوية
إلى جميع الأساقفة الكاثوليك، وطلبتم اليهم ان يصلّوا ويطلبوا من أبنائهم الصلاة
من أجل عودة السلام إلى لبنان. ولقد أملى عليكم قلبكم الابوي أن تكونوا حاضرين عبر
موفدكم الدائم في احدى بلداتنا الجبلية: جزين التي بسطتم عليها وشاحكم الواقي.
وحتى في أيامنا هذه، ان الوضع في لبنان الجنوبي الذي يقلقنا كبيراً وحيث تسقط كل
يوم ضحايا وتسيل دماء، لا يزال موضع اهتمام قداستكم.
وبعد ان استنفدتم
جميع الوسائل، عمدتم إلى استلهام الروح القدس الذي هداكم إلى اعلان مجمع راعوي من
أجل لبنان، الذي كان وسيبقى لنا بركة. فكان مناسبة لمسيحيي هذا البلد ليصلّوا
معًا، ويفكّروا معًا، ويتقاربوا بعضهم من بعض، ويتغافروا، ويتصالحوا. ولم يكن هذا
بالأمر اليسير، بعد أن تذابحوا دونما شفقة. وأجرؤ على القول أن المجمع كان له
تأثير ايجابي على الصعيد الوطني، لانه فسح في المجال للبنانيين، من جميع المذاهب،
في قسم منه مكرّس للحياة الوطنية، لكي يناقشوا معًا بعضًا من وجوه حياتهم
المشتركة. لكل هذا، انَّا نعرب لقداستكم عن اقرارنا بالجميل.
امّا الارشاد
الرسولي الذي وقّعتموه تحت نظر سيّدة لبنان الوالدي، والذي ستوزّعونه علينا في هذا
اليوم التاريخي، فسيكون موضوع صلاة وتأمّل، وسنهتدي بتوجيهاته على طريق سلام مدني
حقيقي نتوق اليه، سلام قوامه العدالة والمساواة أمام القانون، واحترام حقوق
الانسان، في مناخ من الحرية استقطب طوائف من مختلف الانتماءات الدينية، جاءت على
مرّ الأيام تقطن هذه الأرض المشتهرة بروح الضيافة والسماح.
ان وجودكم فيما
بيننا، ايها الاب الاقدس، هو فعل ايمان منكم بوطننا. هذه هي نظرتنا اليه. وهو
ايضًا تشجيع على العودة لنصف مليون لبناني غادروه وهم يتردّدون في هذه العودة،
ولمثل هذا العدد من المهجّرين لكي يعودوا إلى منازلهم حالما تتأمن لهم السبل. وهو
حافز لنا جميعًا على الثقة بالعناية الالهية، وبتراثنا الغني، وبذواتنا، وببعضنا
البعض، لكي نبادر متضامنين إلى اعادة البناء. وحضوركم أخيراً هو علامة أمل بأن
لبنان سيكون ما كان دائمًا: بلداً ينعم بتقرير مصيره وبكل مقوّماته وفي مقدّمها
الاستقلال، والسيادة، والقرار الحرّ.
وانّا، بحماية سيّدة لبنان التي يكرمها جميع اللبنانيين، وببركة
قداستكم، سنواصل الطريق في لبنان الذي يتميّز بالعيش المشترك والذي يجدّد شبابه،
على الرغم من ستة الآف سنة التي يحملها على منكبيه، واني، ختامًا، اريد أن أطبّق
على بلدنا الذي تحبّونه كبلدكم، تحية المثلث الرحمة الكردينال فيشنسكي، يوم قمتم
باول زيارة لبلدكم بولونيا بعد ارتقائكم سدّة بطرس. يسعدني ان اقول لكم على مثاله:
ايها الاب الأقدس، ان قلوبنا التي ترقص فرحًا هي بين يديكم، وايضًا روح لبنان بما
ينطوي عليه من نبل ووفاء.