البابا مودعاً اللبنانيين في مطار بيروت الدولي
لقد حرصتم على أن
تشيّعوني، في ختام زيارتي الراعويّة إلى بلدكم، باللطف وجميل اللقاء اللذين هما من
صميم التقليد اللبنانيّ. فأحرص أن أعرب لكم ثانية عن شكري من أجل الترحيب الذي
خصصتموني به،
ومن أجل الترتيبات التي أُعِدَّت فسهّلت مسار اللقاءات المختلفة التي أُتيح لي
عقدها.
كما أتوجّه
بعبارات الشكر إلى السّلطات المدنيّة والعسكريّة، وإلى مسؤولي الكنائس المختلفة
والجماعات الكنسيّة، من أجل ما أحاطوني به من اهتمام في أثناء اليومين اللذين
أمضيتهما في هذا البلد الجميل والعزيز جدًّا على قلبي. وأعرب كذلك عن شكري العميق
وامتناني لأفراد الأجهزة الأمنيّة وللمتطوّعين الذين أسهموا في إنجاح زيارتي بسخاء
وفعاليّة واحتياط.
في أثناء الاحتفالات والمقابلات المختلفة التي أجريتها
لمستُ الحبّ العميق الذي يكنّه اللبنانيّون الكاثوليك ومواطنوهم جميعًا لوطنهم،
وتعلّقهم بثقافته وتقاليده. إنّهم لبثوا على الوفاء لأرضهم وتراثهم في ظروف كثيرة،
وهم لا يزالون اليوم يُبدون هذا الوفاء عينه. إنّني أحرّضهم على المثابرة في هذا
النهج مقدّمين للمنطقة والعالم مثالاً للتعايش في ما بين الثقافات والأديان، وسط
مجتمع يتساوى فيه الأشخاص جميعًا والطوائف المتنوّعة.
إنّني أجدّد، قبل أن أغادر أرضكم، ندائي إلى السُّلطات
وإلى الشعب اللبنانيّ بأسره في سبيل إنماء نظام اجتماعيٌّ جديد، قائم على القيَم
الأخلاقية الجوهرية، مع الحرص على ضمان المكانة الرئيسيّة للشخص والجماعات
البشريّة في الحياة الوطنيّة والقرارات الجماعيّة. إن مثل هذه المراعاة للشخص، وهو
أمر يتحدّر من طبيعة النفس اللبنانيّة، يؤتي ثمار سلام في البلد والمنطقة. إنّني
أدعو مسؤولي الأمم الى احترام الحقّ الدوليّ، ولا سيّما في منطقة الشرق
الأوسط، حتّى تتأمّنَ سيادةُ الأوطان واستقلالها الشرعي وأمنها ويُحترم حقُّ
الشعوب وتطلّعاتها المشروعة. وإذ أحيّي جهود المجموعة الدوليّة في المنطقة، آمل ان
يستمرّ دعم المساعي للبحث عن سلام عادل ودائم، بتصميم وشجاعة وتناغم. كما آمل أن
تواصل الجهود وتتكثّف من أجل تدعيم النموّ في البلد، ومن أجل سير اللبنانيّين نحو
مجتمع متزايد الديمقراطية، في استقلال تامّ لمؤسّساته، وفي اعتراف بحدوده، وهي
شروط لا بدّ منها لضمانة سلامة أراضيه. لكنّ شيئًا من هذا لن يتمّ ما لم يلتزم
المواطنون جميعًا، كلّ منهم في ما يعود إليه، بالسيّر في طريق العدالة والمساواة
والسلام، وذلك في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، كما في تقاسم
المسؤوليّات ضمن الحياة الاجتماعيّة.
إنّني أحرص على أن
أعرب ثانية عن عميق شكري للبطاركة والأساقفة اللبنانيّين، وللإكليروس والرهبان
والراهبات، وللعلمانيّين في الكنيسة الكاثوليكيّة، الذين أَعَدّوا لمجيئي بكلّ
حماسة. فقد أودعتهم جميعًا الإرشاد الرسوليّ الذي عَقِبَ السينودس لكي يقودهم
ويسندهم في مسيرتهم الروحيّة وفي التزاماتهم إلى جانب إخوتهم.
وفيما تأثرتُ
بترحيب اللبنانيّين الكاثوليك، وقد استطعتُ أن أقدّر حيويّتهم الراعويّة، أريد أن
أؤكد لهم مودّتي وعميق شركتي الروحيّة معهم، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا شهودًا رحماءَ
لمحبّة الله، ودعاةَ سلامٍ وأخوّة.
وأتوجّه بتحيّتي
المليئة تقديرًا إلى رؤساء الكنائس الأخرى والجماعات الكنسيّة، وإلى مسيحيّي
المذاهب الأخرى كلّهم، وإلى المؤمنين المسلمين، راجيًا أن يتابع الجميع التحاور
الديني والتعاون فيظهروا أنّ القناعات الدينيّة هي ينابيع أخوّة ويشهدوا بأن حياة
عيش مشتركة أمر ممكن، محبّةً لله والإخوة والوطن.
فخامة الرئيس،
إنّني أحيّيّ من
خلال شخصكم، اللبنانيّين جميعًا وأشكرهم، مقدّمًا لهم أحرّ تمنياتي بسلام وازدهار.
عسى وطنكم الذي ترتفع جباله كمنارة على شاطئ البحر، أن يقدّم لبلدان المنطقة شهادة
لحمة اجتماعية وحسن اتّفاق في ما بين مكوّناته الثقافيّة والدينيّة كلّها!
إذ أكرّر لكم شكري، أستدعي على مواطنيكم جميعًا فيض البركات
الإلهيّة.