الإرشاد الرسولي التابع للسينودس

رجاءٌ جديدٌ للبنان
الفصل السادس

الكنيسة في خدمة المجتمع

 

ب- الجامعات والمعاهد الكاثوليكيّة

البعد الاجتماعي لرسالة الكنيسة

رابعًا - خدمة الإعلام

أولاً - الخدمة الاجتماعيّة

خامسًا - الالتزام السياسيّ

ثانياُ – إدارة أملاك الكنيسة

سادسًا - حقوق الإنسان

ثالثًا. الخدمة التربويّة – أ- المدارس والمراكز الأكاديميّة الكاثوليكيّة في لبنان  

 

البعد الاجتماعي لرسالة الكنيسة

في كلِّ مكانٍ من العالم، تقوم رسالة الكنيسة بأن تعرّف بالمسيح، ابن الله، وأن تُعلن الخلاصَ الممنوحَ لجميع الناس. ولقد أدركت أيضًا على الدوام، وهي تتأمل سيّدَها، الإنسانَ الكامل، أنها تحتلُّ مكانًا مرموقًا في المجتمع في سبيل تحرير الناس من كلِّ ما يعوق نموَّهم البشريَّ والروحيّ، لأن "مجد الله هو الإنسان الحيّ" (القديس إيريناوس، الردّ على الهراطقة، 4، 20، 7: ي م 100، 2، باريس (1965)، ص 649).

أولاً - الخدمة الاجتماعيّة

على المسيحيّ، في عمله وسَط المجتمع، أن يستوحيَ كلام الله الذي يدعوه إلى تبنّي اهتمام السيّد بالأيتام والفقراء، الذين "لبسوا وجهَ المسيح" وهم "أحبّاءُ الله" (القديس غريغوريوس النيصيّ، في محبّة الفقراء: آي 46، 460 ب- 465 ب). منذ البداية وعلى الدوام، أدرك شعبُ العهد والجماعةُ المسيحيّة الحقَّ الأوليَّ العائدَ إلى الفقير والضعيف والغريب (را: تث 24: 17-18). يشارك المسيحيّ في إعادة الأخوّة المفقودة بسبب الخطيئة، عندما يقوم بمساعدة إخوته الذين هم في عوَز، ويطلب إلى المسيح أن يحقّق الأخوّة الكاملة التي تشكّل الكنيسةُ طلائعَها. "هوذا مسكنُ الله مع الناس؛ سيسكن معهم، ويكونون له شعبًا، وهو "الله - معهم" يكون إلهَهُم؛ ويمسَحُ كلَّ دمعةٍ من عيونهم؛ ولا يكونُ بعد موتٌ، ولا نَوحٌ ، ولا نحيبٌ، ولا وجعٌ، لأنَّ الأوضاع الأولى قد مضت" (رؤ 21: 3-4). ها أنا ذا أوجّه النداءَ إلى ضمير المؤمنين، مذكّرًا إيّاهم أنَّا سنُدان على قيمة استقبالنا للفقير والغريب ومن يتخبَّط في محنة. إذا استقبلناهم وساعدناهم، فلسوف نسمع، في مساءِ العمر، الربَّ يقول لنا: "تعالَوا، يا مباركي أبي، رثوا الملكوت. [...] لأني جعتُ فأطعمتموني، [...] كنتُ غريبًا فآويتموني" (متى 25: 34-35).

        ولكي يُمكن هذا الأسلوبُ من الشهادةِ لمحبّة الله أن يُفهَم كشهادةِ كنيسة، فلا بدَّ أن يعمل جميعُ الكاثوليك في شركةٍ مع الكنيسة جمعاء، وليس فقط باسمهم الخاصّ. "إن روحَ الفقراء والمحبّة هو، في الواقع، فخرُ كنيسة المسيح وشهادتها" (المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الراعويّ "الكنيسة في عالم اليوم"، الرقم 88).

إن آثار الحرب تنوءُ بثقلها على المجتمع اللبنانيّ وتولّد أزمةً اجتماعيّة - اقتصاديّة تطالُ الأفرادَ والأسَر؛ وهي تؤثّر في قضايا السَّكن والصحة والتربية والعمل. أودُّ أن أحيّي هنا الالتزام الذي لا يكلّ للعديد من العلمانيّين والمؤسّسات الدينيّة في الخدمات التربويّة وفي الخدمات الطبيّة والاجتماعيّة وفي مساعدة الأكثر فقرًا. إنهم يعبّرون هكذا عن عناية الله ومحبّة المسيح حيال جميع الأصاغر إخوته. وفيما أفرح ممّا يوجد إلى  الآن في البلد، أدعو جميع اللبنانيّين إلى متابعة وتنشيط أعمالٍ حسيّة من التضامن والتقاسم، في كل مجالات الحياة الاجتماعيّة مؤكّدين بذلك الترابطَ المتبادلَ الذي لا غنى عنه بين مواطني بلدٍ واحد، ومبدأَ الغاية الشاملة لخيرات الأرض، والاختيارَ التفضيليَّ لجميع المعوزين.

        يجب ألاّ يُستثنى أحدٌ من شبكات العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. الفقراءُ والأشخاص المهمَّشون، المعوقون جسديًّا وعقليًّا يجب أن يتمتّعوا باهتمامٍ أخويٍّ وتضامنٍ متزايد. وفي ما يخصّ الكنائس البطريركيّة، يترتّب عليها أن تتنظَّم لكي تقدّم مساعداتٍ فعليّةً، ماديّةً، روحيّةً وأخلاقيّة، لجميع الذين هم بحاجةٍ إلى ذلك، موليةً الإدارة الصحيحة لأملاكها الاهتمامَ الكليّ.

        على التضامن الوطنيّ أيضًا أن ينمَّى في نطاق الصحّة. يجب أن يستطيع كلُّ إنسانٍ الإفادةَ من العنايات والمساعدة الطبيّة الضروريّة، بغضّ النظر عن إمكاناته. إني أدعو الكنيسة إلى التفكير في ما يمكن أن يُحقَّق في هذا المضمار، كما في راعويّة المرضى المحتاجين إلى مرافقة طوال مرضهم. وأقترح على السلطة الكنسيّة الكاثوليكيّة أن تقوم بدراسة رصينة ومتعمّقة لتنظيم الخدمات الصحيّة في مؤسَّساتها، مع الاهتمام بأن تجعلَ منها أماكنَ شهادةٍ دائمةِ السموّ للمحبّة نحو البشر. ويجب الاحتراسُ، بالأخصّ، كي يسهُل على الأكثرِ عوزًا ارتيادُ مؤسّسات العناية.

إن المساعدة التي يمكن أن تُسهم فيها الكنيسة في الحياة الاجتماعيّة لأوسعُ بكثير من النقاط التي أشرنا إليها. ويجب أن تُدرس باعتناء القضايا المعقَّدة في غالبيتها، وأن تكون موضوع أعمال تتشاور بشأنها البطريركيّات. في أثناء السينودس، غالبًا ما أُثيرت مسؤوليّة العلمانيّين والرهبان والراهبات، داخل المرجعيات الكنسيّة التي اوكل إليها مواجهةُ وتطبيقُ الأعمالُ العائدة إلى الشأن الاجتماعيّ. في هذا المضمار كما في الشؤون الأخرى الواردة في الفصول السابقة، أدعو المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكيّة بلبنان إلى أن يشركوا العلمانيّين والرهبان والراهبات، بطريقة أوثق، في رسالة الكنيسة الجامعة، لمنفعة الجميع. وعلى الكنائس البطريركيّة أن تجد سبُل التعاون الواثق مع الهيئات المجتمعيّة الأخرى العاملة في قطاعات النشاط ذاتها، مع احترام المسؤوليّات الخاصّة والنوعيّات. وعلى الكاثوليك، بالأخصّ، أن يدأبوا، في مؤسّساتهم، على إحلال روح مسيحيّة حقّة، وعلى تنشيط راعويّة تلائم حاجات الأشخاص الذين يلجأون إلى خدماتهم (را: التوصية 35، 4).

ثانيًا - إدارة أملاك الكنيسة

إن أملاك الكنيسة هي وسائل للرسالة، والعمل الاجتماعيّ، والخدمات التي على المسيحيّين أن يؤدّوها، في تطلّع إلى التطوّر والعدالة. لأن "المهمَّ، في الواقع، هو الإيمان والمحبّة اللذَين لا يفضلهما شيء" (القديس إغناطيوس الأنطاكي، رسالة الى السميرنيّين، 6، 1: ي م 10، باريس (1969)، ص 137). وفي المعنى عينه، لنصغِ إلى إرشاد القديس غريغوريوس النيصيّ: "تقاسموا والفقراءَ أبناء الله المفضَّلين. كلُّ شيءٍ هو ملكُ الله، أبينا الواحد. ونحن جميعًا إخوةٌ في أسرة واحدة" (في محبّة الفقراء، الآباء اليونان 46، 466).

في نطاق إدارة تلك الأملاك، وبقوّة مهمّتي كـ "مدير أعلى لجميع أموال الكنيسة الزمنيّة"  (مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 1008)، أطلب إلى كلّ الجماعات الكاثوليكيّة الشرقيّة أن تلتزم التزامًا جذريًّا، وتتعهّد بأن تهتمَّ على الدوام بتأمين إدارة عقلانيّة وشفّافة، موجّهة بوضوح نحو الأهداف التي من أجلها اقتُنيت تلك الأملاك. بحسب "مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة" يعود إلى الأسقف أن يسهر على أن تؤمَّن للأملاك إدارةٌ صحيحة وعصريّة، بروح من التجرّد التامّ، وعن يد أشخاصٍ كفاة، نزيهين ومؤهَّلين كلَّ التأهيل للقيام بخدمة كنسيّة واجتماعيّة؛ وعلى هؤلاء أن يؤدّوا حسابًا عن إدارتهم وقراراتهم (را: المرجع نفسه، ق 1022؛ 1031). ومن الواضح أن إدارة أملاك الكنيسة هي خدمة رسوليّة لا يمكن أن يكون من أهدافها الإثراءُ  الشخصيُّ أو العيليُّ أو الجماعيّ.

إن مبدأ الأوقاف، ونظامها القانونيّ وطريقة إدارتها واستثمارها يجب أن يُعاد درسُها وتقويمها. ولتسهيل إدارتها، يجب أولاً القيام بجَرْدٍ لوضعها الحاليّ وللأهداف الحقيقيّة لكلّ واحدٍ من أنواع الأوقاف، ومختلف أنواع الأملاك الزمنيّة، والتحقّق من إيرادها واسثمارها (را: الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، وثيقة العمل، الرقم 81.). ومن الضروري أيضًا وضعُ تخطيطٍ شامل للاحتياجات والاستخدام الصحيح للأوقاف، يتوافق والأهداف الأربعة لأملاك الكنيسة، وهي العبادة الإلهيّة وأعمال الرسالة وأعمال المحبّة، والمعيشة اللائقة لخدّامها (را: الاقتراح 36؛ مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 1007).

        وفقًا للخطّة التي وضعها أسلافي، وبالأخصّ البابا بولس السادس، ثبَّتُّ بشكلٍ واضحٍ أنَّ أيَّ مُلكٍ كنسيّ  (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 1009، فقرة 2؛ مجموعة الحقّ القانونيّ ق 1257، فقرة 1) في الشرق الأوسط لا يمكن أن يُقتنى أو أن يُتَنَازَل عنه، إلاّ وفقًا للنظم القانونيّة الواردة في الشرع العامّ (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 1035، فقرة 1؛ 1036، 1042؛ مجموعة الحقّ القانوني، ق 1290-1298) وتلك التي أصدرها الكرسيُّ الرسوليُّ بشكلٍ خاصٍّ للشرق الأوسط (يُراد بذلك نقل ملكيّة أيٍّ من الأملاك وإجارته وبيعه أو اغتصابه بدون ترخيص من الكرسيّ الرسوليّ. إن عدم احترام تلك النظم يؤدي فعلاً (de facto) الى بطلان تلك الأعمال). في هذا المضمار، على الأساقفة أن يستخدموا تيقّظهم وأن يسعوا باهتمامٍ كي يؤمّنوا التثقيف الضروريَّ لجميع أعضاء شعب الله، وبالأخصّ للطلاب الإكليريكيّين والكهنة وأعضاء المؤسّسات الرهبانيّة (را: المجمع الفاتيكاني الثاني، القرار المجمعي "خدمة الكهنة الراعوية وحياتهم"، الرقم 17؛ القرار المجمعي "في التجديد الملائم للحياة الرهبانيّة"، الرقم 13؛ القرار المجمعي "رسالة العلمانيّين"، الرقم 10، القرار المجمعيّ، "نشاط الكنيسة الإرسالي"، الرقم 16).

        إنّي أعرف أنه، بفضل الأوقاف، تحقّقت إنجازات عديدةٌ، وإني أفرح لذلك. وأحيّي بالأخصّ المبادراتِ التي اتخذتها بطريركيّاتٌ وأبرشيّاتٌ ومؤسّساتٌ رهبانيّة، فأمَّنَت بخاصّةٍ بناءَ شققٍ للعرسان الشبّان وللأشخاص الذين هم في ضيق. وأشجّع كذلك المبادرات المتجرّدة التي يتّخذها في هذا المضمار علمانيّون. فمن الضروري أن تتابَعَ وتكثَّف مخلتفُ المشاريع لصالح الأسر التي تعوزها المواردُ الماليّة للعيش.

ثالثًا - الخدمة التربويّة

أ- المدارس والمراكز الأكاديميّة الكاثوليكيّة في لبنان  (را: التوصية 26؛ 28)

على الصعيد التربويّ، تتمتّع الكنيسة بتقليد ينبغي أن يُصان. إنها مدعوّةٌ إلى أن تكون مربيّةَ الأشخاص والشعوب. وتولي المدارس الكاثوليكيّة اهتمامها بأن تشارك بفعّاليّة في رسالة الكنيسة وأن توفّر تعليمًا رفيع المستوى. لذلك على جميع العاملين في الحقل التربويّ أن يشاركوا في ذلك مشاركةً وثيقة: المعلّمين والطلاب والأهل، والموظفين التقنيّين والإداريّين، والكهنة والرهبان والراهبات المعنيّين، والرابطات المخصّصة لأهل الطلاّب والمعلّمين والطلاّب القدامى، التي تساند المؤسّسات المدرسيّة، في ظلّ مسؤوليّة الأساقفة. إنّي أشجّع المؤسّسات التربويّة على متابعة نشاطاتها في خدمة الشباب، المحتاجين إلى تلقّي الأسس الثقافيّة والروحيّة والخلقيّة التي ستجعل منهم مسيحيّين ناشطين، وشهودًا للإنجيل ومواطنين مسؤولين في بلدهم؛ إن ذلك يفترض تكثيفًا في التعاون وتعزيزًا للتنسيق بين الدوائر المختصّة في مختلف البطريركيّات الكاثوليكيّة.

        وعلى مختلف المؤسّسات أن تكون أمينةً لرسالتها كمنشآت كاثوليكيّة، إذ تضع طاقاتها، قبل كلِّ شيء، في خدمة الجماعة المسيحيّة، ولكن أيضًا وبصورة أشمل في خدمة مجمل الوطن، بروحٍ من الحوار مع كلِّ مقوّمات المجتمع، دون أن تغرب، مع ذلك، عن نظرها، ميزتها التعليميّة الكاثوليكيّة. ينبغي أن يتوضّح أكثر فأكثر البعدُ الدينيُّ للتعليم الكاثوليكيّ؛ وأسلوبُ معالجة الموادّ الدنيويّة، واقتراحُ رؤيةٍ للإنسان وللتاريخ ينيرها الإيمان، والارتباطُ بين الكنيسة وطريقةِ عيشِ معلّمين يكونون قدوةً في تصرّفاتهم، والدعوة إلى حياةٍ خلقيّة قويمة، واقتراحُ حياة روحيّة عميقة، والمعارفُ التي ترسَّخ في أذهان الشباب: تلك هي نقاطٌ تسترعي الانتباه، بغية تربية الشبيبة تربيةً متكاملة.

        ليتذكّر الجميع أن "المدرسة الكاثوليكيّة [...] تطمح إلى أن تقدّم، في آنٍ واحدٍ، أوسعَ وأعمقَ ما يمكن من معرفة، وتربيةً متشدّدة ومواظبةً على الحرية الإنسانيّة الحقّة، وتدريبَ الأولاد والمراهقين الموكولين إليها نحو أسمى هدفٍ ملموس، ألا وهو يسوعُ المسيح ورسالته الإنجيلية (يوحنا بولس الثاني، خطاب أمام مجلس الاتحاد العالميّ للمدرّسين الكاثوليك (18 نيسان 1983): DC 80  (1983)، ص 561).

على غرار كلّ البنى المدرسيّة، تدرك المؤسَّسات الكاثوليكيّة أنها تُسهم في بناء المجتمع، بواسطة التربية التي هي فنُّ تثقيف الأشخاص، فتضَعُ نصبَ أعينهم القيمَ الجديرة بأن يُذاد عنها، والتي يجب تناقلها. إن الجماعة التربويّة تُسهم في تعميق الثقافة اللبنانيّة، وفي تنمية الروابط بين الأجيال وعلاقات الشباب مع ذويهم. ولن ننسى أيضًا أنها تسمح للشباب بأن يواجهوا بصفاء مستقبلهم وبأن يجدوا أسبابًا للعيش وللأمل.

        وبقدر ما تسمح بذلك الظروف الحسيّة، تجهد الكنيسة في لبنان في أن تكون دائمة الحضور في هذا النشاط الإنسانيّ البالغ الأهميّة؛ وهي تعرف التقدير الذي يقدرها إيّاها معظمُ اللبنانيّين، وتفخر بأنها تستطيع أن تؤمّن التعليم للعديد من الأولاد في كافة أنحاء الوطن، دون أيّ تمييزٍ أوتفرقة (را: الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، النداء، الرقم 33 : DC 93 (1996)، ص 39). على الكنيسة أن تتابع مهامّها، وقد تقوَّت بالثقة التي مُنِحَتها، وتتّخذ التدابير التي تسمح لمؤسَّساتِ التعليم بأن يرتادها جميعُ الذين يمكن أن يُثقَّفوا، وبالأخص الأفقرُ اقتصاديًّا، فيتمكّنوا من الحصول على تنشئةٍ أساسيّة ضروريّة للحياة المجتمعيّة وللثقافة.

        بهذه الروح، ومع آباء السينودس، أطلبُ أيضًا إلى المؤسّسات التعليميّة الكاثوليكيّة أن تعيد النظر، قدر الإمكان، في قضيّة نفقات التعليم في معاهدها، كي لا تُجازى سوءًا الأُسَر الأكثرُ حرمانًا. والعديد من المؤسَّسات يسهر على ذلك. في الواقع، إن استقبال الكنيسة الكاثوليكيّة لشباب فقراء في مدارسها يُعتبر تقليدًا قديمًا. فأشجّع المؤسَّسات الكاثوليكيّة على أن تنمِّي تضامنًا حقيقيًّا ما بينها ومع الشباب الذين ترعاهم، كي لا يوقِف أيُّ شابٍّ تنشئته لأسبابٍ محضُ ماديّة أو ماليّة. وفي هذا النطاق، إنّا نقدر سخاءَ المؤسَّساتٍ التربويّة والمؤمنين ونرجو أن يتابعوا التقاسم في إطار التنشئة المدرسيّة والجامعيّة معًا، لصالح تلامذةٍ وطلاّبٍ معوزين، ولصالح القادمين من مناطق ريفيّة والذين غالبًا ما يصعب عليهم الإيواءُ وتأمين الضرورات الأوليّة (را: التوصية 28). بتحقيق ذلك تُسهم المدارس الكاثوليكيّة في إندماج الشباب في مجتمعٍ غنيّ الثقافة، وتساعدهم على مواجهة مستقبل أفضل.

ب- الجامعات والمعاهد الكاثوليكيّة

تتوافر في لبنان مراكز أكاديميّة مختلفة، يؤمّن البعضُ منها تدريسًا في العلوم الدينيّة. لهذه المؤسَّسات تاريخُها وتقاليدُها الخاصّة. مع ذلك، يمكن أن تسبّب تلك الكثرة مصاعب في بعض  الظروف، إذا لم يُنَمَّ روحُ تشاورٍ وتعاون. إنه لمن المفيد ألا تسعى كلُّ كنيسة بطريركيّة إلى إنشاء مراكز جديدة، بل أحيانًا إلى ضمّ هذه المؤسَّسات وتوحيدها، فتتضامن القوى الفاعلة وتسمح لبعض المراكز أن تزيد في اختصاصها، لخير المؤمنين ) را: التوصية 27؛ مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 646-648(. إني أشجّع الرعاة على تنشيط تنشئة رفيعة لكلّ المؤمنين. فلسوف يكون لها وقعٌ أكيدٌ في حياة الأشخاص، وفي الحياة الليترجيّة والراعويّة والرساليّة في الكنائس الخاصّة، وفي علاقاتها مع الكنائس الأخرى ومع كافّة الشعب اللبنانيّ.

        وكما رأى ذلك أيضًا آباء السينودس، إن مؤسّسات التعليم العالي تضمُّ عددًا محدودًا من الطلاب، مقارنةً مع من تضمّهم جامعات الدولة. ولأجل مواجهة التحديّات الثقافيّة الكبرى، ولتأمين تعليم أفضل، ولفعاليّة أعظم في البحث، وفي تنشئة أساتذة الغد، من المهمّ أن تتشاور المعاهد الجامعيّة المختلفة، فتقدّم مقترحاتٍ مشتركة، وعند الاقتضاء، تتجمّع وتوكل إلى بعض المؤسّسات ميّزةً جامعيّةً خاصّة. إني أدعو الأساقفة إلى أن يوحّدوا جهودهم لدعم المعاهد القائمة، وأشجّع اللجنة المنبثقة عن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان المختصّة بالشؤون المدرسيّة والجامعيّة على تعزيز التعاون بين مختلف معاهد التعليم، منعًا للهدر في الأشخاص والطاقات والوسائل الماديّة.

إن حريّة التربية والتعليم هي من مقوّمات حياة وطنٍ تسترعي انتباهَه الحقائقُ الثقافيّة، ويؤّمن حريّة المعتقد المرتبطةَ بالكرامة البشريّة، والمتوافقةَ كلَّ التوافق مع مبادئِ التعليم العامّة )را: المجمع الفاتيكاني الثاني، البيان المجمعي "الحرية الدينيّة"، الرقمان 6-7؛ البيان المجمعيّ "التربية المسيحيّة"، الرقم 3؛ 5(. إنه لمن المهمِّ أن يستطيع الأهلُ اختيار أسلوبِ التربية الذي يفضّلون لأولادهم، تبعًا لقناعاتهم الدينيّة وأفضليّاتهم التربويّة. ويترتّب على السلطات العامّة تحقيقُ حريّة الاختيار تلك والسهرُ على ألاّ تتحوّل مناسبةً للتفرقة بين الأولاد والأُسَر وتنوءَ ظلمًا على كاهل الأهل بأحمالٍ في غاية الثقَل (المرجع نفسه، الرقم 5؛ بيان "التربية المسيحيّة"، الرقم 6).

في الحياة المدرسيّة والجامعيّة ينبغي أيضًا التنبّه إلى حضور الإنعاش الروحي وقيمته، بإنشاء مرشديّات حسنة التنظيم، كي يتهيَّأ للشباب أن يجدوا أسبابًا للتفكير والصلاة تساعدهم على توحيد حياتهم كرجالٍ أو نساءٍ مسيحيّين، آخذين بعين الاعتبار ما تلقّنوه من معارف في دورتهم التربويّة. وعلى مرشدي الشباب والرهبان والراهبات والعلمانيّين الذين توكل إليهم تلك المهمّة أن يخضعوا لتنشئةٍ معمّقة وأن يتنبَّهوا لتطوّرات عصرهم الثقافيّة. إن العمل الراعويّ الجامعيّ يعني أيضًا الأساتذة بقدر ما يعني الطلاب. إني أدعو إذن جميع البطريركيّات والمؤسَّسات الرهبانيّة إلى أن توفّر، بقدر ما تستطيع إلى ذلك سبيلاً، كهنةً وشمامسةً إنجيليّين ومكرَّسين وعلمانيّين لهذا العمل الراعويّ، ويفرزوا لذلك الأشخاصَ الأكثر أهليّة، نظرًا إلى ثقافتهم، وقدراتهم الفكريّة ومواهبهم الإنسانيّة والروحيّة (را: يوحنا بولس الثاني، المنشور الرسوليّ "من قلب الكنيسة"، ب 6: AAS 82 (1990)، ص 1507).

رابعًا - خدمة الإعلام

أصبحت وسائل الاتصال الاجتماعيّ من الآن فصاعدًا عناصر هامّةً من عناصر التربية والكون اليوميّ لمعاصرينا، وكذلك من عناصر التبشير بالإنجيل في اللغات والثقافات المختلفة (را: التوصية 46). وللكنيسة مكانها في ذلك، كي تعزّز الحقيقة، أساسَ كلِّ كرامةٍ إنسانيّة، والقيَم الروحيّة والخلُقيّة التي تسمح لكلّ إنسانٍ أن يتصرَّف يوميًّا باستقامة، وأن ينمّي مختلف مظاهر شخصيّته. إني أشجّع المبادرات التي اتّخذَتها الكنيسةُ كي توفّر إذاعاتٍ دينيّةً، وبرامجَ إعلامٍ وتربية، وتساعد على تثقيف الحسّ الانتقّاديّ، عند البالغين والشباب إزاء العدد الكبير من الرسائل الإذاعيّة، التي توهم أحيانًا أن كلَّ التصرّفات يمكن أن تقدَّر بطريقة مماثلة. وعلى الكنيسة أيضًا أن تسهر على تنشئة أشخاصٍ كفاةٍ يستشفّون رهاناتِ وسائل الاتصال.

خامسًا - الالتزام السياسيّ

"إن الكنيسة، في مهمّتها وصلاحيّتها، لا تندمج في الجماعة السياسيّة بحال من الأحوال، ولا ترتبط بأيّ نظامٍ سياسيّ، وهي علامةُ ترفُّع الشخص الإنسانيّ وحرزه" )المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الراعويّ "الكنيسة في عالم اليوم"، الرقم 76(. إن رسالتها الأولى هي أن تقودَ البشر إلى المسيح الفادي والمخلّص. فليس عليها إذن أن تلتزم الحياة السياسيّة، لأن ليس عندها في الواقع "حلول تقنيّة، [...]، ولا تعرض أساليب أو برامجَ اقتصاديّةً وسياسية، ولا تعربُ عن تفضيلٍ لطرَفٍ أو لآخر، شرط أن تُحترَم كما ينبغي وتُعزَّز كرامة الإنسان، وأن يُترك لها هي نفسُها المجال في تأدية رسالتها في العالم" (يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة "الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ"، الرقم 41 : AAS  80 (1988)، ص 570).

        مع ذلك إنه من واجب الكنيسة أن تنبّه بلا ملَلٍ إلى المبادئ التي هي وحدها تستطيع أن تؤمِّن حياةً اجتماعيّة متناسقة، تحت نظر الله. ولأن الكنيسة تعيش في العالم، "فإن أعضاءَها [...] يشاركون في بعدها الدنيويّ؛ وهذا بطريقة مختلفة. وبالأخصّ، إن مشاركة المؤمنين العلمانيّين ترتدي أسلوب تحقيقٍ ومهمّة هو، على حدّ قول المجمع، "خاصّ بهم": وهو ذلك الأسلوب الذي نسميّه "الطابع الدنيوي" (يوحنا بولس الثاني، الإرشاد الرسوليّ بعد السينودس "العلمانيّون المؤمنون بالمسيح"، الرقم 15: AAS 81 (1989)، ص 414؛ را: المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائديّ "الكنيسة"، الرقم 31).

        إن الكنيسة، في حكمتها واهتمامها بأن تخدم الإنسان والإنسانيّة، ترجو إذن أن تساعد أولئك الذين يعود إليهم القيامُ بخدمةٍ عامّة، فيؤدّوها على أحسن ما يُرام، خدمةً لإخوتهم. وهي تعترف، كما أشارت إلى ذلك مرّاتٍ عديدة، أن هناك استقلاليّةً حقّةً للحقائق البشريّة التي يُدعى فيها الإنسان إلى حسن إعمال عقله السليم (را: سير 15: 14)، بالتناسق مع الحياة الفائقة الطبيعة التي تسمو هذا العالم (را: بيوس الحادي عشر، الرسالة العامّة AAS : Mit brennender Sorge  29 (1937)، ص 152-155؛ المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الراعويّ "الكنيسة في عالم اليوم"، الرقم 40؛ يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة "فادي الإنسان"، الرقم 14 AAS 71 (1979)، ص 287-285). وتُفرَضُ على كلّ ضمير مبادئُ الإنسانيّة التي تملي على كلِّ شخص ما عليه أن يقوم به أو أن يهمله (أنظر يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة "تألّق الحقيقة"، الرقم 59: AAS 58 (1993)، ص 1180-1181).

        ينبغي أيضًا أن نذكّر أن هناك ممارسةً مسيحيّةً لإدارة الشؤون الزمنيّة، لأن البشرى الإنجيليّة تنير جميع الحقائق البشريّة التي هي وسائل معدَّة، في آنٍ معًا، لأن تبني الأسرة البشريّة وتقود إلى السعادة الأزليّة. لا يمكن إذن أن يكون للمسيحيّين "حياتان متوازيتان: من جهة، الحياة المسمّاة روحيّة مع قيَمها ومتطلّباتها؛ ومن جهة أخرى، الحياة المدعوّة دنيويّة" (يوحنا بولس الثاني، الإرشاد الرسوليّ بعد السينودس "العلمانيّون المؤمنون بالمسيح"، الرقم 5: AAS 81 (1989)، ص 509)، التي لها قيَمٌ مختلفة عن الأولى أو مضادة لها. ومن هنا، "ولأجل إنعاشٍ مسيحيٍّ للنظام الزمنيّ، في الاتجاه [...] الذي هو خدمة الإنسان والمجتمع، لا يمكن المؤمنين العلمانيّين أن يتخلّوا بالتمام عن المشاركة في "السياسة"، أي عن النشاط المتعدّد الوجوه، الاقتصاديّ والاجتماعيّ، والتشريعيّ، والإداريّ، والثقافيّ الذي يهدف، فرديًّا وبواسطة المؤسّسات، إلى تعزيز الخير العامّ" (المرجع نفسه، الرقم 42: الموضع المذكور، ص 472؛ أنظر  المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور  العقائدي "الكنيسة"، الرقم 31؛ الاقتراح 45، 18).

إن المؤمنين العلمانيّين يكمّلون هكذا خدمةً حقيقيّةً للإنسان وللمجتمع الوطنيّ، وذلك انطلاقًا من معموديّتهم التي بها يشاركون في وظيفة المسيح الثلاثيّة: الكهنوتيّة والنبويّة والملوكيّة. بمشاركة العلمانيّين، بطريقةٍ خاصّة، في الوظيفة الكهنوتيّة، فإنهم يجعلون من عملهم تسبيحًا للخالق بتحسينهم الخليقة؛ وبمشاركتهم في الوظيفة النبويّة، "يُدعَون إلى أن تضيءَ جدّةُ الإنجيل وقوّتُه في حياتهم اليوميّة والعيليّة والاجتماعيّة، كما أنهم يُدعون أيضًا إلى أن يعبّروا بصبرٍ وشجاعة، في ملمّات الزمن الحاضر، عن رجائهم المجد، حتى من خلال مركّبات الحياة الدنيا" (المرجع نفسه، الرقم 14: الموضع المذكور، ص 411-412؛ أنظر المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي "الكنيسة"، الرقم 35). من هذا الواقع، يعمل المؤمنون العلمانيّون، لدى مواطنيهم وبالأخصّ الشباب، على إحياء الأمل أن المستقبل ممكن، وإحياء الرغبة في المساهمة بفعاليّة في التبدّلات المفترضة للبلوغ إلى حياةٍ مشتركةٍ أفضل. إن إدارة الشؤون العامّة هي سبيلٌ إلى الرجاء، لأنها تتّجه نحو عالمٍ علينا بناؤه، وتفسح المجال للتبيّن أن التبدّلات ممكنة كي يتحسّن وضعُ الناس.

        ويشارك المؤمنون أيضًا في وظيفة السيّد الملوكيّة بالتزامهم سبيلَ الزهد الروحيّ، للتغلّب على الخطيئة، وبتقدمة أنفسهم لخدمة المسيح، في المحبّة والعدالة. ومن وجهة النظر هذه، ينبغي أن يعرف مجملُ شعب الله تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، الذي يعطي مبادئَ للتفكير، ونقاطَ معالم، ومعايير للحكم والقرار في العمل، توجّه الإنسان باستقامة ونزاهة في مختلف ميادين الحياة الفرديّة والاجتماعيّة.

        ومنذ ريعان الشباب، يليق أن يؤمَّن للشباب، في مختلف المؤسّسات التربويّة، تربيةٌ مدنيّة مناسبة، تجعلهم يدركون مسؤوليّاتهم كمواطنين، وتعزّز الحقيقة والحريّة، والعدالة والمحبّة التي هي أسُس السلام والأخوّة الاجتماعيّة (را: التوصية 45).

        إني لسعيدٌ أن الكثير من المسيحيّين يعملون مع إخوتهم من المذاهب الدينيّة الأخرى ومع كلِّ الناس ذوي الإرادة الحسنة، في دوائر الدولة، كي يشاركوا، بتجرّدٍ وتفانٍ، في بناء مجتمعِ عدالةٍ وسلام.

سادسًا - حقوق الإنسان

من بين العناصر الأساسيّة لقيام دولة القانون، تبرزُ حمايةُ حقوق الإنسان، أي احترم كلّ شخص وكلّ جماعة. لأن الإنسان الذي يحيا، في آنٍ معًا، في محيط القيَم الماديّة والقيَم الروحيّة، يفوق كلَّ نظامٍ اجتماعيّ وهو القيمة الأساسيّة. وكما أُتيح لي أن أعلن ذلك من عل منبر الأونيسكو، "إن كلَّ تهديد لحقوق الإنسان، أكان في إطار خيراته الروحيّة أم خيراته الماديّة، هو تعدٍّ على هذا البعد الأساسيَ" (خطاب في الأونيسكو (2 حزيران 1980): AAS 72 (1980)، ص 737). إن الدولة، لما تتمتّع به من صلاحيّات ووظائف، هي الضامنة الأولى لحريّات الشخص  البشريّ وحقوقه.

        بعد سنوات الآلام وفترة الحرب الطويلة التي عرفها لبنان، إن شعبه وسلطاته الحاكمة لمدعوّون إلى تصرّفاتٍ شجاعة ونبويّة، من تسامحٍ وتنقيةٍ للذاكرة (را: يوحنا بولس الثاني، نداء بمناسبة الذكرى الخمسين لنهاية الحرب العالميّة الثانية في أوروبا (8 أيار 1995)، الرقم 2: DC 92 (1995)، ص 532). من المؤكَّد أنه يجب الحفاظ حيًّا ذكر ما حدث، كي لا يتكرّر ذلك أبدًا، ولئلاّ "يستحوذ البغضُ والظلمُ على أممٍ بأسرها، ويدفعَ بها إلى [أعمال] تبرّرها وتنظّمها إيديولوجيّاتٌ ترتكز على أنفسها، أكثرَ منها على حقيقة الإنسان"  )يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة "السنة المئة"، الرقم 17 AAS : 83 (1991)، ص 815؛ أنظر النداء لليوم العالميّ للسلام 1980: AAS 71 (1979)، ص 1572-1580(. لا يمكن أن يُعاد بناءُ مجتمع، إذا لم يسعَ كلٌّ من أفراده، وعائلاتُه ومختلفُ الجماعات التي تؤلّفه، إلى الخروج من العلاقات النزاعيّة التي وصمت الأزمان بالعنف، وإلى تهدئة كلِّ رغبةٍ في الانتقام.

        إن مستقبلاً مشتركًا لممكنٌ لقاءَ جهودٍ، وأعمالٍ محسوسةٍ من تجاوز الذات والمصالحة، وهما من علامات شهامة الأشخاص والشعوب؛ وإنَّ مستقبلاً مشتركًا ممكنٌ وَسْط مجتمعٍ مزّقته طويلاً النزاعاتُ وتصرّفاتُ العداوة وعدم التسامح. ولفتح مستقبلٍ جديد، لا تنسى الكنيسة أبدًا أن الربّ إليها أوكل مهمّة النعمة والمغفرة، كي تصالح جميعَ الناس مع الله ومع أنفسهم، لأن المحبّة أقوى من البغضِ وروح الأخذ بالثأر. وتسعى الكنيسة إلى أن تمثّل معاصريها في عطشهم للكرامة والعدالة، وأن تقود الناس في سبيل السلام. إنها تعرف وتحيّي اهتمامَ الجماعة الدوليّة والأعمال العديدة التي تعهّدتها في هذا الميدان، خلال السنوات المنصرمة.

 وسط الأمّة، يجب على السلطات الشرعيّة أن تسهر على أن يتمتّع كلُّ الجماعات والأفراد بالحقوق نفسها، وأن يخضعوا للواجبات عينها، وفقًا لمبادئ الإنصاف والمساواة والعدالة. وعلى المسؤولين، بصفتهم مواطنين التزموا خدمةً عامة، أن يجتهدوا في سلوك حياةٍ مستقيمة مع ما تتطلّب من تواضعٍ، لخدمة الإخوة، فيكونوا مثال الأمانة والنزاهة. لأن الاستقامة الخلُقيّة هي أحدُ العوامل الجوهريّة للحياة في جماعة ) أنظر يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة "تألّق الحقيقة"، الأرقام 99-101 : AAS 85 (1993)، ص 1210-1213(. في الميادين السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يُدعى المسؤولون عن الحياة العامّة إلى أن يُعيروا انتباهًا خاصًّا الأشخاصَ الذين يُحتملُ على الدوام أن يُهمَّشوا في المجتمع، فيعملون على تنشيط أوضاع حياتهم وعملهم. لذلك، في مجتمعٍ أصبحت الوقائع فيه تزداد تعقيدًا، بالأخص في لبنان وفي مجمل الشرق الأوسط، ينبغي تنشئةُ رجالاتٍ ذوي مستوًى رفيعٍ من الأهليّة يكونون كفاةً بأن يولجوا وطنهم في جميع قطاعات الحياة الدوليّة، لأنّا نشهد في الوقت الراهن "عولمةً" لكلّ الظواهر الاجتماعيّة تتعاظم أكثر فأكثر.

        إن الكنيسة، في حفاظها على الإنسان الذي ترى فيه صورة الله "تردّد دائمًا صرخة الإنجيل في الدفاع عن فقراء العالم، وجميع البشر المهدّدين المحتقرين المُنكَرَة عليهم حقو،َهم الإنسانيّة" (يوحنا بولس الثاني، رسالة إلى جميع إخوتي في الأسقفيّة حول "إنجيل الحياة" (19 أيار 1991) Insegnamenti 14، (1991)، ص 1294؛ أنظر الرسالة العامّة "السنة المئة"، الرقم 54: AAS 93 (1991)، ص 859-860.)؛ لأن المسيح جاء ليعلن تحريرَ جميع الناس (أنظر لو 4: 16-19؛ تث 15: 15؛ أش 61: 1-2)، ويوضح حقيقة الإنسان. وهذا يعني أنه في يسوعَ المسيح ينجلي سرُّ الإنسان (أنظر المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الراعويّ "الكنيسة في عالم اليوم"، الرقم 22)، وأن حقوقَ الله وحقوقَ الإنسان مترابطة، وانتهاكَ حقوقِ الإنسان هو انتهاكٌ لحقوق الله؛ وعلى العكس من ذلك، فإن خدمة الإنسان هي أيضًا، نوعًا ما، خدمةُ الله، لأنه ليس من محبّة إلاّ ومقرونة، في الوقت عينه، بالعدالة. "من يخدمِ الفقراء يُفضِ إلى الله؛ عليكم أن تروا الله في شخصهم" (القديس منصور دي بول، مراسلة، أحاديث، وثائق، المجلّد 9 (1920-1925)، ص 5؛ أنظر القديس إفرام السرياني، النشيد 26: ي م 30، 142-143).

من أجل أن يسودَ السلامُ في لبنان وفي المنطقة، ويتمكّن الجميعُ من التمتّع بالرقيّ، أحثّ السلطاتِ وجميعَ المواطنين اللبنانيّين على أن يَعملوا بكلّ قواهم كي تُحترم كليًّا حقوق الإنسان، وهي العناصر الجوهريّة لكلِّ حقٍّ إيجابيّ، سبقت كلَّ دستور وكلَّ تشريع دولة؛  وبالأخص أن تُحترم هذه الحقوق  في دوائر العدالة، وفي الضمانات التي تحقُّ شرعيًّا للمحكوم عليهم أو المسجونين.

        ومن بين الحقوق الجوهريّة، هناك أيضًا الحريّة الدينيّة. فيجب ألاّ يُخضعَ أحدٌ للإكراه أجاءَ من أفراد أم من جماعاتٍ أم من سلطات اجتماعيّة، وأَلاّ يلاحق أو يُقصى عن الحياة الاجتماعيّة بسبب آرائه، وألاّ يُمنع من ممارسة حياته الروحيّة أو العباديّة، "بحيث إنه، في أمور الدين، لا يجوز لأحد أن يُكرهَ على عملٍ يُخالف ضميرَه، ولا أن يمنع من العمل، في نطاق المعقول، وفاقًا لضميره، سواءٌ كان عمله في السرّ أو في العلانيّة، وسواءٌ كان فرديًّا أو جماعيًّا" (المجمع الفاتيكاني الثاني، بيان "الحرية الدينيّة"، الرقم 2). إن صيانة حقوق الإنسان حاجةٌ ماسّة؛ فمستقبلُ أمّةٍ معرَّضٌ للخطر، بل مستقبلُ البشريّة جمعاء، لأن ما دام كائنٌ بشريٌّ  يُهان في حقوقه الأكثر جوهريّة، فكلُّ الجماعة البشريّة تصابُ بالأذى.