الإرشاد الرسولي التابع للسينودس

رجاءٌ جديدٌ للبنان

الفصل الثالث

سينودس لتجدّد الكنيسة

 

الحياة التوحّديّة

السينودس: الدعوة الى عقده وأعماله

الخدم الكهنوتيّة

الروح القدس صانع التجدّد

الأسقفيّة

أولاً. ينابيع التجدّد وثماره -  كلام الله

الكهنوت

التقليد الرسولي

الرتبة الشماسيّة

الليترجيا

ثالثًا - تجديد بُنى الشركة - العمل معًا على بناء جسد المسيح

الصلاة الفرديّة والجماعيّة

الرعايا

ثانيًا. تجدّد الأشخاص - الوحدة في التنوّع

الأبرشيّات

المؤمنون العلمانيّون

البطريركيّات

الأسرة

رابعًا - دعوة إلى التجديد الراعوي - التعليم الديني

النساء

كليّة اللاهوت الكنسيّة

الشباب

رعاية الدعوات

الرهبان والراهبات

 

الحياة الرهبانيّة الرسوليّة

السينودس: الدعوة الى عقده وأعماله

استُدعيت الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، اولاً لكي يُتاح للكنيسة الكاثوليكيّة في لبنان أن تتجّدد في المسيح رجائنا، بنعمة الروح القدس، أي لكي تكون وفيّةً لدعوتها ورسالتها وعلّةِ وجودها في تصميم حبّ الآب لخلاص جميع الناس. واستجابةً للدعوة التي وجّهتُها في رسالتي إلى البطاركة ورؤساء الأساقفة والأساقفة الكاثوليك في لبنان (الوثائق الكاثوليكيّة 88 (1991)، ص 770)، اقترحتْ وثيقةُ الخطوط العريضة على جميع الكاثوليك في لبنان أن يبحثوا بحثاً جدّيًّا في أمانتهم للرسالة التي أرادها الرب: "تتساءل كنيسة لبنان، في الوضع الذي تعيش فيه [...]، هل كانت ولا تزال وفيّةً لما خصّها به المسيحُ بما يعود بالفائدة عليها وعلى رسالتها" (سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، الخطوط العريضة، فقرة 29).

        الأفكار التي انبثقت عن الخطوط العريضة لخّصتها في وثيقة العمل، وعلى هذا الأساس حدّد آباء السينودس، بالخطوط الكبرى، مجالاتٍ لا بدّ فيها من التجدّد ومن إجراء تحوّلات روحيّة عميقة. وهذا يتطلّب، قبل أيِّ شيء آخر، مسيرة مستمرّة في الصلاة والتضحية والتأمل، تضعنا في كنف الروح، وتمكّننا من تنفيذ إرادة الله، لأنه هو الذي يُنمي، ونحن عاملون معه (1 كو 3: 5، 9).

        في مرحلةٍ أولى، حدّد الآباءُ مفهوم "التجدّد بروح المسيح". ثمَّ تساءلوا، تحت نظر المسيح، إلى أيِّ تجدّد ، حقًّا، يُدعى الكاثوليك اللبنانيّون، كلٌّ بمقتضى موهبته، في نطاق كنيسته الخاصّة كما في نطاق الكنيسة الكاثوليكيّة بأجمعها. ثم بحثوا في التطويرات التي يجب إجراؤُها في البُنى الرئيسة التابعة للمؤسّسات الكنسيّة. ونظروا أخيرًا، باهتمام راعوي كبير، كيف يجب أن يتحقّق هذا التجدّد، وكيف يثقّفون عليه المؤمنين.

الروح القدس صانع التجدّد

"الرجاء لا يُخيِّب صاحبَه، لأن محبة الله أُفيضت في قلوبنا، بالروح القدس، الذي وُهب لنا" (رو 5: 5). المسيح لا يدعنا أيتامًا في شدائدنا، بل يأتي لنجدة ضعفنا، ليتلمذنا وفق قلبه. وقد وهبنا روحه معزّيًا وينبوع حقّ: "متى جاء المعزّي الذي أُرسله اليكم من لدن الآب، روحُ الحقّ المنبثق من الآب، فهو يشهد لي" (يو 15: 26). "متى جاء هو، روح الحق، فإنَّه يُرشِدكم إلى الحق كله (...) ويخبركم بما سيحدث" (يو 16: 13). تثبيتًا للإيمان والرجاء والمحبّة لدى المؤمنين، وإنعاشًا لحميّتهم الرسوليّة، لا بدّ من النظر إلى هذه "الأمور الآتية"، لأنَّه، اعتبارًا لمعنى التاريخ الذي المسيح هو بدايتُه ونهايتُه، واعتبارًا للسعادة التي يدعونا إليها، يُطلب من الكاثوليك اللبنانيّين، أن يتوبوا ويُبدّلوا سيرتَهم بدافع من الروح؛ وهكذا سوف ينجلي، شيئًا فشيئًا، عالم جديد في هذه الأرض، بمعونة الروح القدس الذي ينفحنا الحياة الجديدة الصادرة من الله (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، وثيقة العمل، فقرة 25).

        ومن ثم فالتجدّد الذي يجب على السينودس أن يشجّعه، إنما هو، في الطليعة، عملُ الروح القدس. وعلى جميع أعضاء الكنيسة أن يصغوا إليه، ويعترفوا بأنهم أخطأوا عندما نفّذوا إرادتهم عوض أن ينفّذوا الإرادة الإلهيّة (راجع 1 مل 7: 1-17)، وأرادوا أن يحقّقوا أغراضهم الشخصيّة عوض أن يبنوا جسد المسيح ويتبعوا، بتواضع، من هو رأس الجسد، والذي بإمكانه وحده أن يقود الكنيسة إلى كمالها (را: المرجع نفسه، الخطوط العريضة، فقرة 32). تعاون الجميع مع عمل الروح القدس هو الجواب الثابت لعظيم موهبة التجدّد: "اسلكوا سبيل الروح (...) فإذا كنا نحيا بالروح فعلينا أن نقتفي آثار الروح" (غل5: 16، 25). ولهذا فالجمعيّة السينودسيّة تدعو بإلحاح كلَّ الذين واللواتي قبلوا المعموديّة في روح واحد أن يرتووا من معينه (را: 1 كو 12: 13)، فيحملوا ثمارًا لحياتهم الشخصيّة، ولتجدّد الكنيسة جمعاء (را: غل 5: 22-24) (را: المرجع نفسه، التقرير الثاني للمناقشة، فقرة 1).

أولاً - ينابيع التجدّد وثماره

 كلام الله

 إن الكنيسة، إبّان حَجَّتها إلى الملكوت، فيما هي الأرض بذرته وبدايته (را: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي "نور الأمم"، فقرة 5)، تغتذي من كلام الله الحيّ بواسطة الروح، الذي أوحى،  هو أيضًا، إلى كتّاب الأسفار المقدّسة، مفسحًا لشعب الله، هكذا كلّ يوم، فرصةَ الوصول إلى هذا الكلام في ملء معناه، وتأمُّلِ كلمة الله الذي "لَبس الجسدَ لنتمكّن من أن نلبس الروح" (القديس أثناسيوس الاسكندري، في التجسد وجبهًا للآريوسيّين، 8: الآباء اليونان 26، 995-996). "بواسطة الكتب المقدّسة يُبادر الآب الذي في السماوات، بحنوٍّ عظيم، إلى لقاء أبنائه والتحادث معهم. إنَّ كلام الله هذا يحمل قوّة وعزمًا عظيمين، حتى إنّه يصبح ركنًا عظيمًا للكنيسة وعزّة، ولأبناء الكنيسة منعةَ إيمان، ولنفوس المؤمنين غذاءً، ولحياتهم الروحيّة معينًا دائمَ الجريان" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي في الوحي الإلهي كلمة الله، الفقرة 21). ففي إثر آباء السينودس، أدعو إذن كلَّ المؤمنين إلى أن يُجدّدوا إصغاءهم  إلى الله الذي وهب العالم كلّ شيء، في الكلمة المتجسّد، "الذي يشهد له الكتابُ المقدّس شهادةً مميزّة ووفيّة وصادقة" (سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، الخطوط العريضة، فقرة 22). وقد استعاد المجمع الفاتيكاني الثاني ما نبّه اليه القديس إيرونيموس فلفت المسيحيّين إلى أهميّة كلام الله في حياتهم، "لأنّ من جهل الكتب المقدّسة جهل المسيح" (القديس ايرونيموس، تعليق على كتاب أشعيا، إفتتاحيّة: الآباء اللاتين 24، 17؛ راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي كلمة الله، فقرة 25)، وقد تبحّرت الكنائسُ الشرقية، عبر تاريخها، في قراءة كلام الله، "لأنّ كلَّ واحد يتعلّم الكتاب الموحى، حسب حاجاته" (القديس باسيليوس القيصري، الأنظمة المختصرة، 95: الآباء اليونان 31، 1059)، وخصوصًا عن طريق القراءة الإلهية، التي تُتيح للمرء أنَّ يكتشف بطريقة مؤكّدة "أنّ الكتب المقدّسة تتضمّن قوة، تكفي من يقرأها، حتى بدون تفسير" (اوريجينوس، تأملات في سفر يشوع، 20، 2: المصادر المسيحيّة 71، باريس (1960)، ص 417). على مثال الآباء، قرأ الشرق المسيحيّ الكتاب المقدّس، قراءةً رائعة، إلى جانب عمل تفسيريّ حِكميّ، يقرن ما بين اللاهوت والحياة الروحيّة بطريقة وثيقة.

        لقد نوّهت الجمعيّةُ السينودسّية تنويهًا خاصًّا بالرباط الحيويّ الذي يجمع ما بين كلام الله والكنيسة في سرّ المسيح، الذي مات وقام، وأضحى خبز حياة للمؤمنين به (را: يو 6). المسيح كلمةُ الله هو الذي تنادي به الكنيسة، وهو الذي يُغذّيها على مائدة الكلمة ومائدة جسده، وهكذا يبنيها (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، الخطوط العريضة، فقرة 24-26). "إنّنا نملك الغذاء الذي قدّمه لنا الرسل [أي كلام الله]. كلوه ولن تضعفوا. هذا الطعام، كلوه أولاً لتتمكّنوا، بعد ذلك، من الإقبال على طعام المسيح، طعام جسد  الربّ" (القديس امبروسيوس الميلاني، تعليق على المزمور 108، 15، فقرة 28: الآباء اللاتين 15، 1420). ولذا، فالكنيسة في لبنان يدفعها الروح القدس، اليوم،  إلى تقبّل كلام الله، وإعلانه ووضعه موضع التنفيذ. ولا بدّ من أن يشغل تعليمُ السرّ المسيحيّ، في الخدمة الكهنوتيّة، محلاًّ راجحًا، ويحظى بإعدادٍ دقيق. وذلك بأنّ معاصرينا الذين يواجهون ثقافات وعلومًا تطرح على الإيمان أسئلة خطيرة، هم بحاجة إلى تنشئة متينة وثقافة دينيّة رصينة، وحياةٍ روحيّة قويّة، إذا أرادوا اتّباع المسيح. وإنّي ألفت انتباه الرعاة خصوصًا إلى عظات الأحد التي يجب إعدادُها بكثير من العناية، بالصلاة والدرس. وإنّي أشجّع بحرارة، في هذا الصدد،  بأن توفَّر للكهنة ملفّاتٌ مجهّزة بتحاليل تفسيريّة، تلهم التأمل الذاتي، وتمكّن من إعداد المواعظ بطريقة أعمق. هذه المواعظ تهدف اولاً إلى مساعدة المؤمنين في أن يُحيوا إيمانهم في ظروفهم اليوميّة، ويقيموا الحوار مع إخوتهم. كذلك نشرُ الكتاب المقدّس مطبوعًا، وإفساحُ المجال للعلمانيّين في الاشتراك في دورات تنشئة تفسيريّة، يُتيحان "للغفير من المؤمنين أن يقرأوا كلام الله ويتأمّلوه ويجعلوه موضوع صلاة وحياة" (سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة، 1،1).

التقليد الرسولي

 بفضل من الروح القدس ومؤازرته الثابتة، ينتقلُ إلى الكنيسة التقليدُ الموروث من الرسل، وهو "الذاكرة الحيّة للناهض من بين الأموات" (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، فقرة 8: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995) ص 752؛ راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي كلمة الله، فقرة 8). هذا التقليد الرسولي قد أَنْجَلَ، بطرق متنوّعة، الثقافاتِ القائمةَ في لبنان، مع التنبّه لمراعاة المشاعر الروحيّة الغنيّة واللغات المحليّة. فإلى جانب التقليد الأرمني الذي لا يخلو، مع أصالته، من صلة بالآباء الكابادوكيّين والسريان، هناك التقليدُ الأنطاكي، العريقُ جدًّا بجذوره الآراميّة والهيلينيّة معًا. هذه الجذور كلّها تشمل الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة والكنائس الأرثوذكسيّة. وقد انتقل هذا التقليد المقدّس والحيّ، بمختلف وجوهه، عبر آباء الكنيسة والكُتّاب الروحيّين والليترجيا الإلهيّة ومثال الشهداء والقديسين والقدّيسات. الامانة لهذا التقليد تُمكّن من "عودة حقيقيّة إلى الينابيع"، يستعملها الروح القدس لتجديد كلّ كنيسة خاصّة وتطوير الشركة بينها جميعًا (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، الخطوط العريضة، فقرة 28؛ وثيقة العمل، فقرة 27). تيّار هذا التقليد الحيّ العظيم، في طواعيته للثالوث الإلهي، يحرّك الكنيسةَ لتعلن السرّ المسيحي في كلّ ثقافة وكلّ زمان. "كلّما تطوّرت الكنيسة في الزمان والمكان، واكبها تطوّرٌ في فهم التقليد الذي تحمله، عبر مراحل تساعد دراستها في رسم المسيرة التي لا بدّ منها للحوار المسكوني وكلِّ فكر لاهوتي صحيح" (يوحنا بولس الثاني من رسالته بمناسبة التذكار المئوي الثاني عشر لمجمع نيقيّة الثاني (4 كانون الأول 1987)، فقرة 5: أعمال الكرسي الرسولي 80 (1988)، ص 245).

في الجمعيّة السينودسيّة، أَعرب آباء كثيرون عن أسفهم لجهل المؤمنين تقليدهم الكنسي وتقاليد اخوتهم. وأكَّد آخرون أَنَّ تجذّر كنائس انطاكية في تقليدها المشترك هو مقتضًى حيويٌّ لتجدّدها، وإقامة الشركة بين الكنائس الكاثوليكيّة الخاصّة التابعة له، وللحوار المسكوني والرسالة (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة 12). ولذا فمن الأهميّة بمكان الإلحاحُ على إعادة اعتبار التقاليد الآبائيّة والليترجيّة والايقونوغرافيّة في الكنيسة الكاثوليكيّة اللبنانيّة، التي ترشد الشعب اللبناني إلى المسالك الروحيّة، للقاء الله الحيّ الحقيقيّ، وتصيّره للمسيح ايقونة حيّة (را: التوصيّة 4). ولا بدّ أيضًا من مواصلة السعي لتقييم الكتابات المسيحيّة العربيّة على صعيد اللاهوت والروحانية والليترجيا والثقافة العامّة. وكلّها كنوز أَثْرَتْ التقليدَ الأنطاكي منذ القرن السابع. وهناك أيضًا، على صعيد الوسائل، مبادراتٌ كثيرة، لا بدّ من دفعها وتشجيعها: بحوث علميّة، ترجمات، برامج محدثة في أجهزة التنشئة اللاهوتيّة والتعليم الديني، وبرامج تنشئة للبالغين والشباب، والعمل على نشر سِيَرِ القديسين وشهود الإيمان في كلّ زمان، والوقوفُ على مصادر التقليد في مشارفها، والعمل على التعريف بتقاليد الكنائس الشرقيّة في الجماعات المسيحّة في بلاد الانتشار (را: التوصية 4، وهو أيضًا مضمون الرسالة الرسوليّة نور الشرق: أعمال الكرسيّ الرسولي 87 (1995)، ص 745-774).

الليترجيا

في الاحتفال الافخارستي خصوصًا يجدّد الروح القدس الكنيسة، ويُصوّرها أكثر فأكثر على صورة ربّها. الافخارستيا هي الخبز اليومي الذي يوحّدنا بالمسيح ويصيّرنا أعضاء حيّة في جسده، ويثبّتنا في الوحدة (را: القديس اغناطيوس الأنطاكي، الرسالة الى الأفسسيين، 13، 1: المصادر المسيحيّة 10، باريس (1969)، ص 69؛ الذيذاخيا، 9، 4: المصادر المسيحيّة 248، باريس (1978)، ص 177؛ القديس يوستينوس، دفاعات 65، 6: الآباء اليونان 6، 427). وهكذا نتحوّل إلى ما نتناوله. "فنعكس كمرآة مجدَ الرب، فيما وجهنا محسور وضميرنا طاهر" (القديس كيرلس الاورشليمي، مداخل الى الأسرار، 4، 9: المصادر المسيحيّة 126 مكرر، باريس (1988)ـ ص 145). الليترجيا هي، في حياة الكنيسة وعلمها، النبع والقمة، وهي الاحتفال بالسر الفصحي، وبخاصة في الافخارستيا، وفي الأسرار الأخرى أيضًا، وفي الفرض الإلهي، المعروفِ أيضًا "بليترجيا الساعات". على مدى السنة، وبخاصة في الكنائس الرعوية حيث تلتئم الجماعة المسيحيّة، يغدو كلام الله فعلاً "روحًا وحياة" (يو 6: 63)، ويعتلن التقليد المقدّس قوة محيية. وتتحقّق معرفة الثالوث المقدّس بطريقة حميمة خصوصًا في صلاة الكنيسة المتواصلة، بواسطة المسيح الوسيط الأوحد بين الله والناس، وبواسطة الروح الذي يحثّنا إلى ترداد القول: أبَّا أيّها الآب (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، وثيقة العمل، فقرة 26). هذا وقد تطوّر، مدى الأجيال، "أدب الانشاد الليترجي (...)، فجاءت هذه الأناشيد، في معظمها، تفسيرات راقية للنص الكتابي" (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، فقرة 10: أعمال الكرسي الرسولي 87 (19950، ص 755-756)، يحوّلها المؤمنون زادًا لصلاتهم.

        الليترجيا الإلهية، بصفتها مشاركةً في الليترجيا السماوية، واستباقًا "للعالم الآتي"، هي الموهبة التي مكّنت الكنائس الشرقية من الصمود في الرجاء عبر أجيال من المحن. وباعتبارها معينًا لا ينضب، يُروي الايمان وينعشه، فهي بحاجة اليوم إلى أن نُضفي عليها طابعًا رعائيًا جديدًا، يتماشى مع توجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني، ويُراعي التقاليد الروحيّة المميّزة. هذا التنبّهُ الجديد لا بدّ منه لتطوير العمل الرعائي في الليترجيا وخدمة الأسرار، فيتاح لجميع المؤمنين المشاركة‎، بوجه أفعل، في الحياة الليترجيّة؛ وهكذا تصبح الاحتفالات الليترجيّة أكثر أصالةً وأعمق معنى (را: سينودس الأسلقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة، 1؛ التوصية 5). إني أوصي الرعاة أن يسهروا على ان تحافظ الاصلاحات الليترجيّة الجارية على جمال وكرامة الاحتفالات، التي تكوّن تراثًا مشتركًا بين الكنائس الشرقيّة. ويجب أَلاَّ تشوّه هذه الاصلاحات ما تتضمنه الأسرار المقدّسة من معانٍ لاهوتيّة، وأَن تدرك الكنائس الشرقيّةُ، على اختلافها، أَنَّها في شركة وتناغم مع الكنيسة جمعاء (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 40، بند 1: 667-669)، مع التمسّك بالتقاليد الكنسيّة الخاصّة. ولكي تأخذ الاصلاحات الليترجيّة مجراها السليم، يحسن التقيّد بالضوابط المدرجة في الكلمة التوجيهيّة لتطبيق الأنظمة الليترجيّة في مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، التي نشرها المجمع المختصّ بالكنائس الشرقيّة (راجع خصوصًا  الفقرات من 13 الى 21، وهي تذكّر بثروة التراث الليترجي في الكنائس الشرقيّة وأهميّة التقليد في هذا النطاق والروح الذي يجب ان تتمّ فيه الاصلاحات والقيمة المسكونيّة النابعة من التراث الليترجي). ولكي يتحقّق هذا التجدّد، ألحّ آباء السينودس على التقيّد بشروط لا بدّ منها: عمل اللجان الليترجيّة على صعيد سينودسات أساقفة الكنائس البطريركيّة وعلى صعيد الأبرشيّات أو  الرعايا، التنشئة الأساسيّة الأولى والدائمة للكهنة والشمامسة الانجيليّين والمسؤولين العلمانيّين، وكذلك الوقوف على التقاليد والأساليب الرعائيّة الليترجية. وليكن حرص الجميع، بمنأى عن كل سعي إلى النفوذ، أن يُظهروا سرّ الإيمان المحتفى به في عمق حقيقته وجماله (را: التوصية 5).

الصلاة الفرديّة والجماعيّة

في ختام المداخلات في الدورة العامّة، خلص تقريرُ الجمعيّة السينودسيّة إلى التذكير، بشجاعة، بأنّ التحوّلات، في الحياة الشخصيّة والحياة الاجتماعيّة، تفرض تحرّرًا عميقًا داخل الكنيسة الكاثوليكيّة في لبنان، وهو التحرّر الباطن الذي يأتينا من المسيح عبر الحياة الروحيّة. فقبل ان تعمد الكنيسة في لبنان إلى تغيير بُناها، من المُلِحّ أَن تدعَ المسيحَ يحوّلها، فيتحقّق في كلّ مؤمن عمل التأليه. وهو من المواضيع المحبّبة إلى اللاهوت الشرقي (را: سينودس الأساقفة، الجمعيّة الخاصّة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة، المقدّمة 9). "بقدرة الروح الساكن في الإنسان، يبدأ التألّه ونحن لا نزال في الأرض. الخليقة تتحوّل وملكوت الله يبتدئ" (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، الفقرة 6: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 750). من الأهميّة إذن بمكان أَن يُبذل كلُّ ما في الوسع لإرشاد المؤمنين إلى التدرّب على الصلاة الشخصيّة والجماعيّة، والتمكّنِ من إذكاء حياتهم الروحيّة، في إطار حياتهم اليوميّة، وفي أمكنة معدّة للصمت والاستقبال، وفي الأديار. ومن المفرح أيضًا ان تنمو فرق صلاة، مدعوّةٌ إلى أن تصبح جماعات كنسيّة حقيقيّة، وشهودًا للقوة النابعة من الصلاة.

ثانيًا - تجدّد الأشخاص

الوحدة في التنوّع

من المواضيع الرئيسة التي عالجتها هذه الجمعيّة السينودسيّة لأجل لبنان، موضوع الوحدة في التنوّع. وقد أراد الآباء أن ينوّهوا، غير مرّة، بالاحترام الواجب لهويّة كلّ مجموعة وكلّ فرد، وبالحاجة الملحّة إلى تخطّي الحواجز التي أقامها التاريخ بين الجماعات المسيحيّة اللبنانيّة. فيصبح الجميع "حجارة لتشييد برج... مبنيّ على صخرة الايمان (جيراسميوس، مقالة في الثالوث: باريس (1996)، ص 229). هذه الرغبة في التعاون والانفتاح لم تظهر فقط على صعيد مختلف الفئات التي يتكوّن منها شعب الله. فمن حقّ كل فرد ان تُحترم مسيرته الروحيّة الخاصّة، ولكن على الجميع أيضًا أن يدخلوا طريق الحوار مع إخوتهم. فالمواهب والعطايا الموكولة إلى البعض يجب أن تُبذل في خدمة الجميع، عبر التماس مشترك للحقيقة في المحبّة.

المؤمنون العلمانيّون

لقد عبّر العلمانيّون المشتركون في السينودس، أثناء انعقاده، تعبيرًا واسعًا عن رغبتهم في أن يشترك المؤمنون اشتراكًا فاعلاً ومسؤولاً في الحياة الكنسيّة، في مختلف البنى والمجالس الرعويّة (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 408)، وفقًا لمؤهلاتهم. وعليهم أن يلجوا حياة الكنيسة في مختلف الصُعُد، ولكنهم ينتظرون غالبًا ان تستعين بهم وتبادرهم بالثقة. مجالات العلمانيّين في العمل الرسولي واسعة. "دعوتهم الخاصّة أن يطلبوا ملكوت الله من خلال إدارة الشؤون الزمنيّة التي ينظّمونها بحسب إرادة الله. (...) ففي موضعهم هذا  دعاهم الله ليعملوا، فعل الخمير من الداخل، على تقديس العالم بمزاولة مهامّهم الخاصّة، بهدي الروح الإنجيلي، وليعلنوا المسيح للآخرين بشهادة حياتهم، قبل أيّ شيء آخر، تشعُّ إيمانًا ورجاءً ومحبّة" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي، نور الأمم، فقرة 31. راجع القديس اغناطيوس الانطاكي، الرسالة الى التراليين، 1، 8: المصادر المسيحية 10، باريس (1969)، ص 102)

وبها يتّحدون بربّهم. إدارة الشؤون العامّة، وسياسة المجتمع، هما ذاك العلم المدني (را: القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتيّة، 1-2، المسألة (92، 2)) الذي يمكّن الناس من التواصل بصلات الصداقة، مع الاهتمام بأن يبنوا معًا أسرة يوحّدها المصير والصالحُ العام وخيرُ الأفراد وخدمةُ الحقيقة (راجع يوحنّا بولس الثاني، السنة المئة، فقرة 50: أعمال الكرسي الرسولي 83 (1991)، ص 856: الإرشاد الرسولي المؤمنون العلمانيّون، فقرة 42: أعمال الكرسي الرسولي 81 (1989)، ص 472-476: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي فرح ورجاء، فقرة 75) وحملُ كل مواطن على حبّ الوطن.

        "بالاضافة إلى هذه الرسالة التي تعني جميع المؤمنين بلا استثناء، بإمكان الكنيسة أن تدعو المؤمنين، بطرق شتّى، إلى تأدية دورهم في التعاون، بوجه أوثق، في الرسالة التي تضطلع بها السلطة الكنسيّة، على مثال أولئك الرجال والنساء الذين كانوا يعاونون الرسول بولس في إعلان الانجيل، ويتحمّلون المشقّات في سبيل الرب (را: فيل 4: 3؛ رو 16: 3)" (المرجع نفسه، فقرة 33). ومن الأهميّة بمكان، أيضًا، أن يتجنّد المؤمنون العلمانيّون، بطريقة أوثق، للبحث الفكري والدرس، لكي تنهض، بدعم من الرعاة، ثقافةٌ مسيحيّة في العالم العربي. ولكي يتمكّن العلمانيّون من الاضطلاع بمسؤولياتهم، لا بدّ من أن يجدوا، في رعاياهم وفي منظَّماتهم، برنامجًا من التنشئة في التعليم الديني واللاهوت والروحانيّة، يساعدهم، في التعاون مع الكهنة، في نشاطاتهم الرعويّة، مع الاهتمام بروح المعيّة في المسؤوليّة (را: التوصية 8).

        من هذا الملحظ، لا بد من العمل على إنشاء مراكز تنشئة للبالغين، يستطيع المؤمنون ان يلجأوا إليها بسهولة. تنشيط هذه المراكز وإدارتها بالإمكان أن يتولاّهما معًا مجموع البطريركيّات، في مختلف مستوياتها، كما يُمكن أن يكون ذلك ثمرة تعاون وثيق بين العديد من الأنظمة، في روح من التنسيق مع المراكز الأخرى القائمة. هذه البنى بإمكانها أيضًا أن تحقّق، من الوسائل التقنيّة والتربويّة، ما يتلاءم مع معارف المؤمنين. ويُدعى الأساقفة في لبنان إلى مواصلة السعي، بالاستناد إلى كتاب التعليم الديني للكنيسة الكاثوليكيّة، لنشر كتب تعرض الايمان المسيحي في جملته، مع التنبّه لتنوّعها الثقافيّ. إني أحيّي الجهود المبذولة، حتى الآن، بالتعاون مع الكاثوليك الآخرين في الشرق الأوسط لنشر نصوص، باللغة العربيّة، صادرة عن السلطة التعليميّة الحبرية، وعن بعض دوائر الكرسي الرسولي. ثم إنَّ حضور المسيحيّين على نطاق أوسع في وسائل الاتصال الاجتماعي، يتيح نشر التعليم الكنسي، سواء عبر ما تملكه الكنيسة من صحف وإذاعات وتلفزيونات، أم عبر ما يعدّه المؤمنون من برامج في الوسائل الإعلاميّة التي ليس لها طابع كنسيٌّ محدّد. ولكنَّها مستعدّة لإفساح مجال للبرامج الدينيّة في إذاعاتهم (را: التوصية 24).

الأسرة

لقد عدّد النداءُ السينودسي بوضوح الأخطارَ المحدقة بالأسرة اللبنانيّة: "هناك تفكّك عائلي بسبب هجرة الأب أو الأبناء سعيًا وراء عمل او علم، أو بسبب المصاعب الماديّة، او بسبب مفهوم خاطئ للاستقلال الزوجي، او من جرّاء عقليّة تنافي الانجاب" (الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، النداء، فقرة 27: الوثائق الكاثوليكيّة 93 (1996) ص 39). في مواجهة هذه الأخطار، لا بدّ من دعمٍ روحيّ وأدبيّ وماديّ للمقبلين على الزواج وللعائلات، وتلك مهمّة في أقصى الخطورة.

        من منطلق الأسرة، أولاً،  يُبنى، النسيج الاجتماعي، وتتحقّق تربية الشبيبة المسؤولة غدًا عن الأمَّة، وينتقل الإيمان المسيحيّ من جيل إلى جيل. إنَّ الكنيسة تثق بالعائلات، وتعوّل على الأهل، وبخاصة في آفاق الألف الثالث، لكي يحظى الشبابُ بمعرفة المسيح، واتّباعِه اتباعًا سخيًّا، سواء في حالة الزواج أم في الكهنوت أم في الحياة المكرّسة. "الكهنوتُ العمادي الذي ينعم به المؤمنون، إذا عاشه الانسان في الزواج - السرّ، يُتيح للأزواج وللأسرة مرتكزًا لدعوةٍ ولرسالةٍ كهنوتيّين" (يوحنا بولس الثاني، الإرشاد الرسولي في الأسرة، فقرة 59: أعمال الكرسي الرسولي 74 (1982)، ص 151). في الأسرة تكمن ديناميّةٌ روحيّة غنيّة. وهي في طليعة المواقع التي تنضج فيها الدعوات. ويشهد الأهل، بأسلوب حياتهم، لجمال الحياة الزوجيّة وبذل الذات. وما يؤدّيه الأزواج من قدوة يوميّة يغذّي لدى الشباب الرغبةَ في الاقتداء بهم. الأسرة هي "الكنيسة الصغرى" وهي مدرسة الحب (را: الجمعيّة الخاصّة لسنيودس الأساقفة من أجل لبنان، وثيقة العمل، فقرة 53)، والموقع الأول للشهادة المسيحيّة والرسوليّة، بالمثل كما بالكلام. سرّ الحب الذي يربط الرجل والمرأة هو انعكاس الوحدة القائمة بين المسيح وكنيسته (را: أف 5: 32). في الأسرة يتلقّن الأولاد، منذ الصغر، حضورَ الله والثقةَ بحنوّه الأبوي. ولكنَّ أبسط ما تفترضه قواعد التربية على الصلاة المسيحيّة أن يعطى البالغون مثالَ الصلاة الشخصيّة وتأمل كلام الله. وخلاصة القول أنَّ المشتركين في الجمعيّة السينودسيّة قد تمنّوا أن يُطوّر العمل الرعوي الأسروي، دعمًا لهذه المؤسّسة الأساسيّة، بالعمل على مساعدتها وصونها.

من هذا الملحظ، يصبح الإعداد للزواج غاية في الأهميّة. لا بدّ إذن للخطّاب من أن يعوّلوا على الكنيسة المحليّة للاضطلاع بمسؤولياتهم المستقبليّة. ومن ثمَّ يجب أن يكون في كل رعيّة أزواج مختبرون، يُساعدون الشباب، بالتنسيق مع الاكليروس، على التأهّب للزواج. ثمّةَ أشخاصٌ متزوّجون بإمكانهم أن يصبحوا للمتأهبين للزواج مرشدين صالحين؛ والذين يواجهون صعوبات يمكنهم أن يجدوا ما يحتاجون إليه من أذن مصغية ودعم أخويّ. وفي سبيل إنعاش مراكز التأهّب للزواج والإرشاد، من باب التمنّي  أن يُنشأ معهد للدراسات الزواجيّة والعيليّة، لتنشئة كهنة وأشخاص مؤهَّلين. هذا المعهد بإمكانه أن يُسديَ أيضًا معلوماتٍ لفائدة مختلف المراكز، وينشر تعاليم الكنيسة التي أصدرت، في هذه السنين الأخيرة، نصوصًا كثيرة  يتدارسها المسيحيّون (را: التوصية 7).

        من المفيد أن تُنشأ شبكةٌ من الأزواج المؤهَّلين لمرافقة الذين يواجهون صعابًا، ومساعدتِهم في تبديل نظرتهم إلى المعضلات التي تعترضهم، واستعادةِ حوار هادئ بينهم (را: الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنا، التقرير التالي للمناقشة 2: 7). هكذا يغدو من الممكن الوصول إلى تحقيق المصالحة بين الأزواج (المتخاصمين) قبل اللجوء سريعًا إلى الحلول القضائيّة (را: التوصية  7).

بإزاء المعضلات المتزايدة بين الأزواج، من المستحسن أن تتعاون المحاكمُ الكنسيّة مع مراكز النجدة (العائليّة) لبذل كلّ الجهد لمصالحة الأزواج (مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 1362؛ 1381). وبما أن كلّ كنيسة بطريركيّة لها محاكمُها الخاصّة، فلا بدّ من إقامة تعاون وثيق بينها، ضمانةً لعدالة واحدة للجميع، عبر تنوّع السلطات القضائيّة، ومنعًا للمتحاكمين من التلاعب بمجرى العدالة، واستغلال الخلافات بين السلطات القضائيّة. وهذا يفترض لدى القضاة روحًا رعائيّة ونزاهةً كاملة تضمنهما السلطة الكنسيّة بسهرها المستمرّ (المرجع نفسه، القانون 1062). ومن المناسب أيضًا أن يُضمن للمعوزين حقُّهم في الدفاع، وذلك بدعم المعونة القضائيّة بالاعفاء من الرسوم، ووضعِ بعض المحامين المتطوّعين في تصرّفهم (را: التوصية 21).

لا بدّ أيضًا من مساعدة العائلات في المعضلات الاقتصاديّة التي تواجهها. في هذا المجال، أُعربُ عن ثقتي بالمؤسّسات الكاثوليكيّة المحليّة لتكون سبّاقة في الإبداع، والتعاون في ما بينها وإقامة شبكات نجدة، بالصلة مع المؤسّسات الحكوميّة، المسؤولةِ عن تشجيع السياسة العائليّة، وذلك بتوفير الحماية لكلّ فرد، ودعمِ الأجهزة التربويّة للشباب.

النساء

تستحقّ النساء عناية خاصّة تكفل لهنَّ مراعاة حقوقهّن في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعيّة والوطنيّة؛ وذلك بأنَّ الكنيسة، في عقيدتها الانتروبولوجيّة وتعليمها، تُؤكّدُ المساواةَ في الحقوق بين الرجل والمرأة، وذلك من منطلق خلق كلّ كائن بشريّ على صورة الله. "إن الكنيسة تفخر، كما هو معلوم، بأنها عظّمت المرأة وحرّرتها ، وأَلَّقتْ، عبر القرون، وفي مختلف المجالات، مساواتَها بالرجل" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، نداء الى النساء (8 كانون الأول 1965)؛ راجع الدستور الرعائي فرح ورجاء، فقرة 29؛ يوحنا بولس الثاني، رسالة الى النساء، فقرة 35؛ الوثائق الكاثوليكيّة 92 (1995)، ص 718؛ القديس باسيليوس الكبير، عظة في المزمور 1، 3: الآباء اليونان 29، 214-218). ومنذ عهد المسيح وسرِّ التجسّد، وجد دور المرأة عبارتَه الرائعةَ في العذراء مريم، التي نوّهت التقاليدُ الشرقيّة مرارًا بمكانتها الفريدة، وذلك بأنّها "هي التي أورثتنا شجرةَ الخلود" (الكاثوليكوس اسحق الثالث،  مدائح ونشائد على شرف مريم العذراء مقتطفة من سواعية الأرمن، البندقية (1877)، ص 89). فنحن، بكلّ حقٍّ وحقيقة، ندعو القديسة مريم والدة الإله، وفي هذا الاسم يكمن سرّ الخلاص كلّه (را: القديس يوحنا الدمشقي، الايمان القويم، 203: الآباء اليونان 94، 983 - 988؛ القديس غريغوريوس النارك، الصلاة الثمانون: المصادر المسيحيّة 78، باريس (1961)، ص 428-431: أغاثنجلو، صلاة الشهيد غريغوريوس المنير: نصوص مريميّة من الألف الأول، روما (1991)، ص 552؛ نشيد ليترجي لشهر كيناك في الليترجيا القبطيّة: 1 الأقباط، مكتبة النشر الفاتيكانيّة (1994)، ص 165-166). "قوَّة المرأة المعنويّة وقوَّتُها الروحيّة منوطتان بإدراكنا أنّ الله وَكلَ إليها الانسان، الكائنَ البشري، بطريقةٍ مميّزة. لا شكّ أنّ الله يكلُ كلَّ إنسان إلى الجميع وإلى كلِّ فرد. بَيد أنَّ هذه العُهدة منوطةٌ بالمرأة بطريقة مميّزة - وذلك، بالتحديد، بسبب أنوثتها - وفي ذلك خصوصًا ما يحقّق دعوتَها" (يوحنا بولس الثاني، كرامة المرأة، فقرة 30: أعمال الكرسي الرسولي، 80 (1988)، ص 1725). للنساء حسّ مرهف لما وُكل إليهنّ، وبمقدورهنّ أن يُظهرْنَ "عبقريتهنَّ" في مختلف ظروف الحياة البشريّة.

        ولكن لا بدّ من الإقرار، مع ذلك، بأَنَّ مكانة المرأة في المجتمع وفي المؤسّسات الكاثوليكيّة المحليّة كثيرًا ما لا يوازي مقدارَ التزاماتهنّ وجهودهنّ. وعلينا، أولاً، أن نتذكّر أنَّ التقليد الشرقي يضع امرأة، وهي مريم المجدليّة، في مكانة مرموقة إلى جانب الرسل، وذلك بأنَّها، من بعد ما تبعتْ يسوع، كانت أوّلَ من وافى القبر لتتلقّى بشرى القيامة، وتُعلنَها للتلاميذ (را: يوحنا بولس الثاني، رسالة الى الكهنة بمناسبة الخميس المقدّس 1995، فقرة 6: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 801-802). من المناسب إذن ان نُقدّم للنساء قدرًا أكبر من المشاركات والمسؤوليّات في الحياة وفي القرارات الكنسيّة، ونتيح لهنّ ما يحتجْنه في مجالات التنشئة. دورهُنّ في تربية الشبيبة، وبخاصةٍ في قطاعات التنشئة الدينيّة والروحيّة والخلقيّة والعاطفيّة (را: يوحنا بولس الثاني، الارشاد الرسولي في الأسرة، فقرة 37: أعمال الكرسي الرسوليّ 74 (1982)، ص 127-129)، يشغل مكانةً رفيعةً جدًّا. وذلك بأنّ "نفسَ الولد مدينةٌ حديثةُ البناء والنظام"، تتطلّبُ صبرًا وسهرًا لا يملاّن (القديس يوحنا الذهبي الفمّ، في تربية الأولاد، فقرة 25: المصادر المسيحيّة 188، باريس (1972) ص 113). وقد اضطلعن ولا يزلن يضطلعن بمهمّة حاسمة في الحياة الكنسيّة والمجتمع اللبنانيّ، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ بذلَ الذات حبًّا هو من خواصّ الطبيعة البشريّة الخالصة. وهنّ مدعوّات أيضًا، كما ذكّرتُ بذلك أخيرًا، إلى أن يكنّ مربيّات للسلام "في العلاقات بين الأفراد وبين الأجيال، في الأسرة وفي حياة الأمم الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة" (رسالة بمناسبة يوم السلام العالمي 1995، فقرة 2: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 360). وينشطن، خصوصًا، في الخدمات الصحيّة والاجتماعيّة والتربويّة. ويسعدني أنَّ آباء السينودس أرادوا أن يُفسحوا للنساء مجالاً أوسعَ للعملِ في مختلف البُنى الكنسيّة، على صعيد الرعايا والأبرشيّات والمراجع البطريركيّة وأجهزة التنسيق ما بين البطريركيّات، وذلك في المجالات الروحيّة والفكريّة والتربويّة والاجتماعيّة والاداريّة. بوسعهنّ ان يقمن بخدمات جُلّى، بصفاتهنّ الشخصيّة المميزّة.

الشباب

"يشكو الشبابُ اللبناني من خيبة أمل من الجيل السابق، الذي لم يُتح لهم خبرةَ السلام بل خبرة الحرب والحقد" (الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة، فقرة 8). وقد نقلوا إلى الآباء، في الجمعيّة السينودسيّة، انتقاداتهم ومتطلباتهم بصراحة وشجاعة، فأظهروا بذلك أنهم يترقّبون من الكنيسة تغيّرات حاسمة. لقد طالبوا، باسم الانجيل، بأعمال منسّقة، وأعربوا عن آلامهم تجاه الانقسامات الكنسيّة، التي تعرقل الرسالة، ويتمنّون كنيسة تُبدي وحدتَها في التنوّع، وتكون مكانًا صالحًا لحياةِ أخوّةٍ ومشاركة وتأصّل ورجاء.

        في ضمير الشعب اللبناني، وداخل الكنيسة في لبنان، يجب أن يشغل الشبابُ محلاًّ مرموقًا، ويكونُ حافز تجدّد وطنيٍّ وكنسيّ، وذلك بالمشاركة في مختلف بُنى الحياة الاجتماعيّة ومراكزِ القرار. ويجب أن نساعدهم في التغلّب على تجارب التطرّف والميوعة التي يُمكن أن تتربّصَ بهم، ورفضِ مختلف أشكال الحياة المنافية لسلامة الاخلاق. ومن المستحسن، من جهة أخرى، أن نرشدهم في المبادئ والقيم التي ترتكزُ عليها الحياةُ الفرديّة والاجتماعيّة، فيُصبحوا بذلك شركاء، بحصة كاملة، معنيّين بمواصلة الحوار، بلا كلل، مع إخوةٍ لهم يرغبون في الوصول إلى تفاهماتٍ تُمكّنهم من العيش معًا، ولكن بدون الانزلاق إلى تنازلات على صعيد المبادئ والقيم.

        إن الكنيسة تُعوّل على الشباب ليُعطوا الحياةَ الكنسيّة والحياةَ الاجتماعيّة انطلاقةً جديدة. ومن ثمّ فالجماعات المسيحيّة مدعوّةٌ إلى أن تفسح لهم مجالاً أوسع للاندماج في كل نشاطاتها، فيغدوا بذلك أبطالَ "البشارة الجديدة"، وغُرَّاس الكلمة في نفوس غيرهم من الشباب، مجنِّدين ديناميتَهم الخاصّة للتجدّد الكنسي (را: التوصية 10). وهم كذلك مدعوون ليكونوا مشاركين، بحصّة كاملة، في بناء المجتمع. ولذا ينبغي أن يتلقّوا تنشئة فكرية روحيّة متينة، تروي عطشهم إلى المطلق والحقيقة؛ وحيثما يسلكون يجب أن يَلقَوا ما يحتاجونَهُ من مرافقة روحيّة. دور المرشدين الكنسيّين، في الحركات أم في الجماعات، سواء أكانوا كهنة أم شمامسة أم رهبانًا أم راهبات أم علمانيّين، هو على جانب كبير من الأهميّة لتحقيق نموّهم ونضجهم الانساني والروحي، ولمساعدتهم في تمييز دعوتهم واكتشاف مكانهم في المجتمع (را: المرجع نفسه).

الرهبان والراهبات

الرهبان والراهبات لهم حضورهم، اليوم، في كلّ قطاعات الكنيسة والمجتمع. وهم، بالتالي، في المحلّ المناسب ليظلّوا مرجعًا لاخوتهم، وذلك بالتشبّه الوثيق بالمسيح في حياتهم، وإنعام النظَر في موهبتهم المميّزة، لفائدة الكنيسة كلّها ولخلاص العالم (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، قانون 410؛ الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، الخطوط العريضة، فقرة 39). ولذا يُطلب من الذين يعتنقون الحياة المكرّسة ان يتقيّدوا بالعيش في اختبار عميق لله (راجع يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي، الحياة المكرّسة، فقرة 73: أعمال الكرسي الرسولي 88 (1996)، ص 448-449)، ليظهروا ان الرب هو غاية التاريخ وانه يحب العالم. "باعتناق المشورات الانجيليّة تصبح ملامح يسوع المميزّة - العفّةُ والفقرُ والطاعة - (مرئيّةً) وسط العالم، بوجه مثالي ودائم، تلفت أنظار المؤمنين وتدعوهم إلى الرجوع إلى سرّ ملكوت الله الذي يعمل منذ الآن في التاريخ، بانتظار ان يكتسب ملء حجمه في السماوات" (المرجع نفسه، فقرة 1: المرجع المذكور، ص 377).

        الرهبان والراهبات المنتشرون في لبنان وفي الشرق الأوسط مدعوّون إلى أن يفحصوا بصدقٍ أنماطَ حياتهم وطرائقهم في الشهادة للانجيل وتحقيق المهمّات الموكولة إليهم. فإنهم بذلك يتأكّدون أنهم لا يزالون أوفياء لإلهامات مؤسّسيهم الأصلية، ولمعاصريهم شهودًا للمسيح وأمثلة حياة مسيحيّة، بعيشهم الجماعي، وممارسة المشورات الانجيليّة، مشوراتِ الفقر والعفّة والطاعة. ولا بِدْعَ، فالرب يأمرنا بأن نُعنى بالمتزعزعين، ونتوخّى أولاً فائدة القريب قبل ما يرضينا (را: تي 2: 12) (را: القديس نيلوس الناسك، خطاب في النسك: الآباء اليونان79، 719-747؛ القديس باسيليوس الكبير، القوانين الموسّعة، المسألة 7: الآباء اليونان 31، 927-934؛ المسألة 41: الآباء اليونان 31، 1021-1024). ورسالتهم، من جهة أخرى، تفرض عليهم أمانة كبيرة لمثال كلّ حياة مكرّسة، ولتوجّهات مؤسّسيهم، كما توجب عليهم التحلّي بروح خلاّق، تلبية لترقبات الناس، واستجابة لحاجات الكنيسة.

        إن الأشخاص المكرّسين، من منطلق دعوتهم، يعلنون الانجيل ويشهدون بالكلام وبحياتهم المثاليّة، لأولويّة المطلق على كل ما هو بشريّ، لأنهم ينتمون إلى الرب. من هنا ان علاقتهم بالله يرافقها تصرّف يتناغم مع ما اتخذوه من تعهّد، لأننا "لا نتصّل بالله إلا بمقدار اعتناقنا الفضيلة" (القديس انطونيوس الكبير، إرشادات، فقرة 150: الفيلوكالية 1، باريس (1995)، ص 62؛ راجع رسالة، فقرة 4: الآباء اليونان 40، 1008: القديس نيلوس الناسك، في نشيد الأناشيد، 1، 8، 2،: المصادر المسيحيّة 403، باريس (1994)، ص 179-181: القديس اثناسيوس الاسكندري، سيرة أنطونيوس، 20: 4، المصادر المسيحيّة 400، باريس (1994)، ص 189) وبمقدار سيرنا في طريق البنوّة الإلهيّة (را: القديس يوحنا الذهبي الفم، عظة في 1 تي، 8، 8: الآباء اليونان 52، 539-540). جميع أهل الفضيلة وبخاصة المكرّسون، يُضفون على حياتهم بعدًا قربانيًّا، ويعكسون مجد الله، وينوّهون بما يكمن في الوجود من معنى عميق وصحيح (را: يوحنا بولس الثاني، تألّق الحقيقة، فقرة 90-94: أعمال الكرسي الرسولي 85 (1993)، ص 1205-1208). في عالم يتّجه أكثر فأكثر صوب الماديّة وأصنام كثيرة، يمسي التكرّس الرهبانيّ أشدّ إلحاحًا. ولتكن شهادة المكرّسين قابلة للتصديق، "لأن الانسان المعاصر أكثر إصغاء إلى الشهود منه إلى المعلمين" (بولس السادس، إرشاد رسولي في البشارة بالانجيل، فقرة 41: أعمال الكرسي الرسولي 68 (1976)، ص 31؛ راجع الارشاد الرسولي في الشهادة الإنجيليّة، فقرة 30-31، 52-53: أعمال الكرسي الرسولي 63 (1971)، ص 514، 523-524؛ خطاب الى مجلس العلمانيّين (2 تشرين الأول 1974): أعمال الكرسي الرسولي 66 (1974)، ص 568: القديس كيرلس الاسكندري، 4 خطابات عيديّة، فقرة 2: المصادر المسيحيّة 372، باريس (1991)، ص 245-253: القديس غريغوريوس النيصي، عظات في سفر الجامعة، 4، 5: المصادر المسيحيّة 416، باريس (1996)، ص 251-259، القديس نيلوس الناسك، خطاب نسكي، فقرة 25: الآباء اليونان 79، 719-810: ثيولبتوس الفيلادلفي، في التكرّس الرهباني: الفليوكالية 2، باريس (1995)، ص 349): وذلك بأن الرهبان، بنمط وجودهم وأمانتهم لوعودهم، يرشدون الناس إلى طريق السعادة ويُعتبرون هُداة روحيّين حقيقيّين يحتاج الشعب اليهم، على مثال القديس أنطونيوس، أبي الرهبان (را: القديس أثناسيوس الاسكندري، سيرة انطونيوس، 55، 1-13: المصادر المسيحيّة 400، باريس (1944)، ص 281-287).

الحياة الرهبانيّة ترتكز على كلا الأمانتين للمسيح وللكنيسة (را: الجمعيّة العموميّة العادية التاسعة لسينودس الأساقفة، "الحياة المكرّسة ورسالتها في الكنيسة وفي العالم"، وثيقة العمل، فقرة 14). ويفترض تجدّدها التنبّه للانجيل وحبّ الكنيسة وتنمية الموهبة التي تتميز بها كلّ مؤسّسة. هناك شباب يتساءلون كيف يُلبّون نداء الرب. فالمؤسّسات والرعاة يحملون معًا، في تعاون وثيق، همّ الدعوات وطريقة تنشيطها وتمييزها (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 195؛ 329)، لتوجيه الشباب إلى حيث يدعوهم الله حقيقة، على أن تُترك لهم حريّة اعتناق الروحانيّة التي يختارونها، وتؤمّن لهم التنشئة اللازمة مع اعتبار القرائن الاجتماعيّة والثقافيّة في لبنان.

        ومن المهمّ جدًّا، لأسباب لاهوتيّة ورعائيّة، أن يندمج الرهبان والراهبات اندماجًا فعليّا في الحياة الكنسيّة. فهم بذلك يؤدّون لجميع إخوتهم مثال الوحدة الضرورية بين الحياة الروحيّة وخدمة المحبّة (را: القديس أفرام السرياني، نشيد فقرة 6: الآباء الشرقيون 30، 142-143). ومع ان الأشخاص المكرّسين ينعمون باستقلاليّة تحقّ لهم في مجالات حياتهم داخل المؤسّسة، إلا أنهم جزء لا يتجزّأ من الكنيسة الخاصة ولا يمكن ان يعملوا إلا بالانسجام والتعاون الوثيق مع مجمل الكنيسة (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 416)، وفي شركة أوثق فأوثق مع "الحبر الروماني بصفته الرئيس الأعلى لكلّ الرهبان" (المرجع نفسه، قانون 412 بند 1)، ومع الأساقفة وفي الطاعة لهم (را: المرجع نفسه، قانون 414 –417)؛ مثل هذا الإلزام يضحي أكثر إلحاحًا، إذا كان هذا العمل مرتبطًا، بطريقة ما، بالحياة الرعائيّة (را: المرجع نفسه، قانون 413-415). ولا غرو، فرسالة الكنيسة، جسد المسيح، ترتكز على خلفاء الرسل، بإرادة صريحة من الرب.

        لا بدّ للرهبان والراهبات في لبنان، في كثير من الأحوال، ومن منطلق وعي جديد لمفهوم الحياة الرهبانيّة كما نتصوّره هنا، من أن يوجسوا ضرورةً لإجراء إصلاح قد يكون عميقًا أحيانًا، في طرائق حياتهم في خطى المسيح، والتعبير عنها، وفقًا لقرار المجمع الفاتيكاني الثاني في المحبّة الكاملة، وما يدعو إليه من تجديد وتكييف للحياة الرهبانيّة. هذا الاصلاح يجب أن يتناول خصوصًا الأعضاء الجدد في المؤسّسات الرهبانيّة، فيُطرَحَ عليهم، في ضوء ما يجدونه عند مربّيهم من مُثُل صادقة، نموذجٌ عن الحياة الرهبانيّة، يحثّهم على تلبية نداء الرب في الكنيسة بطريقة نظيمة وحريّة بالتصديق. ومن المستنسب أن يستعان في تربيتهم برهبان وراهبات يؤدّون شهادة قداسة شخصيّة، وحياة داخليّة عميقة وأمانة جَذلى لنذورهم (را: المرجع نفسه، قانون 457، بند 1؛ 524 بند 1). مثل هذا الاصلاح، إذا بدأ في العناصر الشابّة، بإمكانه أن يحوّل، شيئًا فشيئًا، حياة الجماعة الرهبانيّة كلّها، ويساهم إلى حدّ بعيد في تغيير الحياة الاجتماعيّة؛ وكما كتب القديس باسيليوس، بكثير من المودّة، إلى رهبانه يدعوهم إلى الكمال في ممارسة المشورات الانجيليّة، فإنّ السيرة الحميدة والنسكيّة المطابقة للعهود المقطوعة هي التي تحمل على المصالحة بين الأشخاص (را: الرسالة، فقرة 22: الآباء اليونان 32، 287-294).

الحياة الرهبانيّة الرسوليّة

الجماعات الرهبانيّة هي للأبرشيّات ثروة كبيرة وينبوع نعمة وديناميّة. فهي بنشاطاتها الرسوليّة المتنوعة تساهم في الخطة الراعوية التي يرسمها الأساقفة، وتندمج، من ثم، في مختلف الأجهزة الأبرشيّة (را: الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لنبان، التقرير التالي للمناقشة 2، 4). إني أحمد الله لما حقّقته هذه الجماعات الرهبانيّة، في غضون سنوات الحرب الموجعة، في مجالات الخدمات الصحيّة والتربويّة والاجتماعيّة، وما واجهته أحيانًا من خطر حتى على حياة أعضائها. وأشكر للرب ما لا تزال تحقّقه بتضحية وتجرّد مع ما تضطلع به من مهمّات جسيمة، وبالرغم من أَعدادها القليلة. وفي خط الحرص على الوحدة ضمن التنوّع، وهو من المحاور الموجِّهة في الجمعيّة الخاصّة، يُدعى الرهبان والراهبات إلى العمل دومًا بتعاون وثيق، إظهارًا لروح التكامل بين المواهب. من منطلق هذا الروح، على الرهبان والراهبات أن يراعوا التوازن في توزيع الأشخاص والمؤسّسات، طبقًا للأولويات الراعويّة، وفي طواعيّة كاملة لخدمة الشعب اللبنانيّ، ورسالة الكنيسة الشاملة، خارج حدود الوطن. ولا شكّ أن هذا الانفتاح سوف يُدخل على الحياة الرهبانيّة الرسوليّة في لبنان نهضة جديدة ويبعث فيها دعوات جديدة (را: التوصية 11). ويحسن بكل المتطوعين للحياة الرسوليّة "أن يجدوا توازنًا صحيحًا ومثمرًا بين العمل والتأمل، بين الصلاة والمحبّة، بين الاندماج في التاريخ والترقّب الأُخْرَوي" (يوحنا بولس الثاني، نداء بمناسبة الاحتفال بيوم الحياة المكرّسة (1997)، فقرة 6: الرقيب الروماني (19 كانون الثاني1997)، ص 5؛ را: التوصية 11، 9).

لا بدّ للكنيسة من أن تكون حاضرة حضورًا مرئيًا خصوصًا إلى جانب المحتاجين. الرهبان والراهبات مدعوّون إلى ان يكونوا شهود حبّ المسيح في إيثاره الفقراء، وذلك من خلال خدماتهم المتنوعّة، وما يمارسونه من حياة الفقر والشركة الأخوية. ومن باب التمنّي، أن تدعِّم المؤسّسات الرهبانيّة حضورها ورسالتها في المناطق المُبْتلاة والنائية وتساعد كل إنسان في المكوث في أرض أجداده، يعتني بها ويعيش فيها عيشًا لائقًا.

        في المؤسّسات التابعة للرهبان والراهبات كثيرًا ما يضطلع العلمانيّون بقسط كبير من العمل. لا بدّ، والحالة هذه، من أن تُحفظ لهم مكانتهم، وتوكل إليهم مراكز مسؤولية تتناسب وكفاءاتهم.

الحياة التوحّديّة

56.   " لم تُعتَبر الحياة التوحديّة في الشرق مجرّد حالة معزولة ومحفوظة لفئة من المسيحيّين، بل مرجعًا لكلّ المعمّدين، وفقًا للمواهب التي يفيضها الرب على كلّ إنسان وشبه خلاصة وشعار للمسيحيّة" (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، فقرة 9: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995) ص 754). ومن المفارقة ان الحياة الرهبانيّة الرسوليّة في الشرق هي اليوم أكثر انتشارًا من الحياة التوحّديّة في مختلف تعابيرها: من الحياة التوحّدية الديريّة الصِرف، كما تصوّرها باخوميوس وباسيليوس، إلى الحياة النسكيّة الصارمة كما نادى بها أنطونيوس أو مكاريوس المصري (را: المرجع نفسه )، مع أنها كلّها متّصلة اتصالاً وثيقًا بالتقاليد التي يتميّز بها الشرق المسيحي. "الحياة التوحّدية الشرقية - في صيغتها التقليديّة - تحبّذ التوبة والزهد بالذات وندامة القلب والسعي إلى السكينة، اي السلام الباطن، والصلاة المتواصلة والصوم والأسهار والجهاد الروحي والصمت والفرح الفصحي في حضرة الرب، وفي انتظار مجيئه الأخير، وتقدمة الذات والمتاع، مُعاشةً في الشركة الديريّة المقدّسة، أو في العزلة النسكيّة" (يوحنا بولس الثاني، إرشاد ما بعد السينودس، الحياة المكرّسة، فقرة 6: أعمال الكرسي الرسولي 88 (1996)، ص 381: راجع القديس باسيليوس الكبير، القوانين المُسْهَبَةُ، 8-9: الآباء اليونان 31، 943-945).

        إني أتمنّى، مع الآباء السينودسيّين، أن تستعيد الحياة التوحّدية ما يرجع إليها من مكانة (را: التوصية 12، 1) ويسعدني ما ألمسه اليوم عند بعض الرهبانيّات من رغبة صادقة في إعادة اللحمة مع هذه التقاليد الأصيلة، والعودة إلى القيم التوحّدية التقليديّة، مذكّرة بذلك جميع الناس بأهمية الصلاة والليتورجيا والقراءة الإلهية، والتروّض الروحي والخدمة والحياة الجماعيّة. هذه العناصر كثيرًا ما يسميها الآباء الشرقيون "بالأسلحة الروحيّة" الماضية (را: القديس اثناسيوس الاسكندري، سيرة انطونيوس، 30، 1: المصادر المسيحيّة 400، باريس (1994)، ص 219، ثيودوروس الرهاوي، الفصول المئة، فقرة 1: الفيلوكاليا 1، باريس (1995)، ص 342: جيراسيموس، حوارات مسكونية للشفاء، 5: باريس (1996)، ص 207)، التي لا بدّ منها في الجهاد للوصول إلى الكمال. الحياة التوحديّة هي، في آنٍ واحد، طريق قداسة شخصيّة، وعلى مثال الرسول، مساهمة في تقديس شعب الله وجميع الناس، وذلك بأن يكمّل المتوحّد "في جسده ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24). وهكذا تزرع الكنيسة، بحياتها المصليّة، بذور كمال وتعضد العاملين في حقل العالم، وذلك بأن القُربى من الله تكشف حقيقة الأسرار الإلهية وجمالها، وتجعلنا متضامنين مع إخوتنا" (را: الجمعية الخاصة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة، 5).

57.   إني أدعو الكنائس الشرقيّة إلى أن تنهل من ينابيع الحياة التوحديّة القديمة، فتستعيد الحرارة الروحيّة الكامنة في الجذور، وهي جزء ثمين من كنزها وتقاليدها. وعلى هذه الكنائس أن تقترح، مرّة أخرى، على بعض من الرجال والنساء، الحياة التوحديّة نمطًا من أنماط الحياة المسيحيّة الراقية، لكي تسهر على نفوسهم وتصوغ كيانهم الباطن  )را: تيودورس الرهاوي، خطاب في التأمل: الفيلوكاليا، باريس (1995) ص 361-368(. وسوف ينعكس هذا على الشعب برمّته فيشجّعون اخوتهم المسيحيّين على أن "ينشطوا للجهاد الباطن" (هينريخيوس الباطس في القناعة والتيقّظ، فقرة 34: الفيلوكاليا، باريس (1995)، ص 198)، ويشهدوا، بطريقة مُثلى، لعظمة الحياة الأخويّة، ويدعوا هكذا المسيحيّين وجميع الصُلاّح إلى أن يمارسوا أنماطًا جديدة في العلاقات البشريّة، مبنيّة على المحبّة والحب.

بإمكان الأديار أن تغدو واحات نبويّة "تصبح فيها الخليقةُ نشيدَ حمد لله ووصيةُ المحبّة التي نعيشها بطريقة ملموسة نموذجًا للتعايش البشري؛ وفي الدير يبحث الانسان عن الله بدون حاجز أو عائق، فيضحي مرجعًا للجميع يحملهم في قلبه ويساعدهم في التماس وجه الله" (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، فقرة 9: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 754. را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 471، بند 1).

        وسوف يتبيّن أن الصلاة في حياة المتوحدين وحياة جميع المسيحيّين هي من المسؤوليّات الكبرى؛ ويكونون، بتجرّدهم التام عن ذواتهم، شهود اللامرئي وما هو جوهري في الوجود. "الزهد بالذات إنّما هو هذا: الاستسلام في كلّ شيء إلى الأُخوّة والعزوف عن اتباع الارادة الذاتيّة، وعن امتلاك أي شيء، ما عدا الثوب، حتى إذا ما تحرّرنا من كلّ النواحي تمكّنا من التمسّك بفرح بما أُمرنا به دون سواه، متنبّهين لكل الاخوة" (القديس مكاريوس المصري، في الكمال بالروح، فقرة 8: الآباء اليونان 34، 847؛ راجع تيودورس الستودي، القديس ارسانيوس الناسك، فقرة 2: الآباء اليونان 99، 862-867).

        من المتمنّى أن تحتل الجماعات التوحديّة مكانها في الكنيسة في لبنان، ليتألّق مجد تراث الآباء ونأخذ قسطنا من كنوز النعمة المشتركة بين الكنائس القديمة، فنؤدّي اليوم للكنيسة جمعاء شهادة عميقة التجذّر في الشرق المسيحي، وهو القمّة التي منها يطلّ على العالم برائع جماله.

        إننا نأمل من الحياة الجماعية التي تتجلّى من خلالها الشركة الكنسيّة أن تزدهر وتؤدّي رسالتها النبويّة وتبعث انطلاقة جديدة في مجال الحياة الزهديّة والخبرة النسكيّة (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 570). ونأمل من المتوحّدين أن يكونوا، كما في السابق، هداةً ومعلّمين روحيّين وأن تصبح أديرتهم أماكن لقاء على الصعيد المسكوني والحوار بين الأديان (يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، فقرة 23-25: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 770-772؛ الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، التقرير التالي للمناقشة 5).

الخدم الكهنوتيّة

"لقد دعا يسوع إليه، في غُضون رسالته الأرضية، عددًا من تلاميذه وأقامهم لخدمة الكهنوت العام (...) وأقام الاثني عشر ليصحبوه ويرسلهم يبشّرون ولهم سلطان يطردون به الشياطين" (مر 3: 14-15) (يوحنا بولس الثاني، إرشاد ما بعد السينودس أعطيكم رعاة، فقرة 14: أعمال الكرسي الرسولي 84 (1992)، ص 678). وسوف يضطلع الرسل الذين أقامهم الرب، شيئًا فشيئًا، بأعباء رسالتهم متوجّهين بالدعوة، بطرق مختلفة وفي النهاية متواردة، إلى أناس آخرين ليكونوا أساقفة أو كهنة أو شمامسة، وليكملوا الرسالة التي أكرمهم بها المسيح القائم من بين الأموات والذي أرسلهم إلى الناس أجمعين وفي جميع الأزمان (...). وفي الكنيسة وللكنيسة يمثّل الكهنة سرّيًا يسوع المسيح الرأس والراعي، وينادون بالكلمة مناداة لا غبار عليها ويكرّرون ما أتى به المسيح من أعمال الصفح والخلاص، وخصوصًا المعموديّة وسرّ التوبة والافخارستيا (...) إلى حدّ بذل الذات في سبيل الرعية التي يجمعونها في الوحدة ويقودونها إلى الآب بالمسيح وفي الروح"  (المرجع نفسه، فقرة 15: المرجع المذكور، ص 679-680(.

        "إن الكاهن من حيث هو ممثّل للمسيح رأس الكنيسة وراعيها وعريسها، له رسالة ليس فقط في الكنيسة بل تجاهها أيضًا. فالكهنوت الذي يضطلع به الكاهن، إلى جانب خدمة الكلمة والأسرار، هو جزء جوهري من مقوّمات الكنيسة. المهمّة الكهنوتيّة كلّها هي في خدمة الكنيسة، لدعم الكهنوت العام الذي يتحلّى به شعب الله كلّه؛ وليس هدفها الكنيسة الخاصّة وحسب بل الكنيسة الجامعة (راجع حياة الكهنة وخدمتهم الرعائيّة، فقرة 10) وذلك في الشركة مع الأسقف ومع بطرس وتحت سلطة بطرس" (المرجع نفسه، فقرة 16: المرجع المذكور، ص 681).

هذه النصوص الصادرة عن السلطة التعليميّة في شأن الخدمة الكهنوتيّة يجب ان تنير أذهان الرعاة في رسالتهم الأسقفيّة والكهنوتيّة والشماسيّة. فالبطاركة والأساقفة بمعيّة الكهنة والشمامسة يشاركون كلّهم في رسالة المسيح الواحدة. ولكي يصبح التنوّع الكنسي في لبنان شهادة يتوسّم فيها المؤمنون ثروة حقيقيّة، يجب أن تكون وحدة الرسالة الموكولة إلى جميع الرعاة علامة مرئيّة. لا يسوغ لأيٍّ من خدَمَة الكهنوت أن يتجاهل غيره من الخدَمَة الآخرين الناشطين في ذات البقعة سواء انتموا إلى كنيسته البطريركيّة أم إلى كنيسة أخرى. شهادة الوحدة والأخوّة القائمة على التعاون الوثيق بين مختلف الكنائس الخاصّة، هي، في لبنان، ضرورة ملحّة. ثمّة، ولا شكّ، أمور كثيرة بدأت تتحقّق، ولكني أودّ أن أطلب إلى كل واحد أن يضاعف جهوده، ويعير هذه القضية اهتمامًا خاصًا لما تنطوي عليه من رهانات واضحة للمستقبل، كما أعرب الآباء السينودسيون عن ذلك إعرابًا جليًا.

        الخدم الكهنوتيّة على أنواعها أقيمت لبناء الكنيسة وصون وحدتها ضمن الاكليروس وبين الاكليروس ومجموع الشعب المسيحي لبنيان جسد واحد (القديس يوحنا الذهبي الفم، عظة في الرسالة الأولى الى الكورنثيّين، 18، 3: الآباء اليونان 61، 526). ولا غرو، فالكنيسة جسم عضوي، وبمقدار ما يضطلع كلٌّ بدوره بالتناغم مع الآخرين، يسلم الجسم كلّه.

الأسقفيّة

البطريرك هو رئيس كنيسته البطريركيّة وأبوها: وهو، مع سينودس الأساقفة، المسؤول عن حياتها وتجدّدها. ويمارس الأسقف، بصفته خليفة الرسل، "وظائف التعليم والتقديس والإدارة" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار في مهمّة الأساقفة المسيح الرب، فقرة 11)؛ ويقود، مع إكليروسه، الشعب الموكول إليه، في طريق الله؛ وإني أنضمّ إلى أعضاء الجمعيّة السينودسيّة لحثّ البطاركة والأساقفة في لبنان على أن يحاسبوا ضمائرهم في الحقّ، ويجدّدوا التزامهم طريق توبة شخصيّة لا بدّ منها لشهادة مثمرة ولتقديس المؤمنين: أولاً باعتناقهم حياة صلاة وتجرّد وبذل وإصغاء؛ ثم بسيرة مثلى، بصفتهم رسلاً ورعاة، قائمة على البساطة والفقر والتواضع؛ وأخيرًا بحرصهم المتواصل على الذود عن الحقيقة والعدل والأخلاق وقضية الضعفاء (را: التوصية 13).

لا بدّ للأساقفة، في خدمتهم، أن يراعوا أولاً جانب معاونيهم الأدنين، أي الكهنة. عليهم أن يميّزوا دعوة المرشّحين للكهنوت، ويرافقوهم روحيًا وماديًّا، ويسهروا أخيرًا على تنشئتهم الإنسانيّة واللاهوتيّة والرعائيّة، على أن تحظى برعاية متزايدة، تلبية لترقبّات المؤمنين، وتعقّد معضلات عصرنا. المرشحون للكهنوت، المتزوجون منهم أو الراغبون في الزواج، إذا لم يدخلوا الاكليريكيّة، فمن الضروري أن يؤمّن لهم إطار إنسانيّ وروحيّ مناسب، في فترة تنشئتهم، على أن تحظى هذه التنشئة بمستوًى راقٍ شبيه بما يحظى به المرشحون الآخرون، ليتمكنّوا حقيقة من الاضطلاع بمهامّ خدمتهم، في القرائن الروحيّة والثقافيّة الراهنة. وقد تمنّى آباء السينودس أن يُفسح للمرشحين للكهنوت والرهبان والراهبات والعلمانيّين أوقات تنشئة مشتركة، كما تمنّوا أيضًا للاكليريكيّين من مختلف التراثات الليترجيّة أن يقضوا معًا أقلّه جزءًا من فترة تنشئتهم، لعقد علاقات صداقة بينهم، والتأهّب لما ينتظرهم في المستقبل من أشكال التعاون الرعائي.

        على الأسقف أن يظلّ قريبًا من كهنته العازبين منهم والمتزوجين (را: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار المسيح الرب، فقرة 28، مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 192، بند 4-5، 278، بند 2)، ويحرص على أن ينمو بينهم تعاون أخوي مبني على الثقة (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 192، بند 5؛ 278، بند 3، 390)، ويؤمّن لهم تنشئة جدّية متواصلة، لتجددهم الروحي وعملهم الراعوي. وعليه أيضًا أن يكفل لهم ضمانة ماديّة في إطار من التعاضد الكنسي المؤسّسي يلبّي حاجاتهم الشخصيّة والرعويّة. وهذا، بالنسبة إلى الكهنة المتزوجين، على جانب كبير من الأهميّة بسبب أعبائهم العيليّة. ويُطلب أيضًا من الأساقفة ان يُعنوا عناية خاصّة بالكهنة المرضى والمسنين والمعسرين. وأما الكهنة المتزوجون (الكهنة المتزوجون يمارسون خدمتهم في مواقع طقسهم التاريخيّة، بموجب النظام القائم الذي ذكّرت الكنيسة به في ظروف عديدة: راجع المجمع المقدّس للكنائس الشرقيّة، القرار Qua Sollerti (23 كانون الأول 1929): أعمال الكرسي الرسولي 22 (1930)؛ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، قانون 78، بند 2؛ 146، بند 2؛ 150، بند 3، في شأن الاجراءات الخاصّة الصادرة عن الكرسي الرسولي)، فيجب أن تُوفَّر لزوجاتهم تنشئة دينيّة ورعائيّة مناسبة (را: التوصية 15). لا بدَّ أخيرًا من أن يقوم بين أساقفة مختلف الأبرشيّات تعاون أخوي، في شأن توزيع الكهنة، يتلاءم وحاجات الشعب، ولا يفضي إلى تجمّعات كهنوتيّة، ضخمة في المدن وضواحيها (را: التوصية 14).

الكهنوت

على الكهنة أن يحصّنوا حياتهم الروحيّة بممارسة الأسرار والصلاة والقراءة الإلهيّة فيثمر كهنوتهم في خدمة شعب الله. ويحسن بهم أن يهتمّوا بوظيفة التعليم وبخاصة في المواعظ حيث يُفسَّر كلام الله ويُفعَّل، ليتمكن المؤمنون من مداناة السرّ المسيحيّ وممارسة القيم الانجيليّة في حياتهم اليوميّة.

        كثيرًا من الأحيان، بسبب تداخل الأبرشيّات جغرافيًا، يمارس الكهنة خدمتهم داخل رقعة جغرافيّة واحدة، مع انتمائهم إلى مرجعيّات قانونيّة مختلفة. ولذا فالتعاون والتنسيق، على صعيد رسالتهم، يفترضان لقاءات منتظمة وأشكالاً حقيقيّة من التعاضد. وعليهم أن يسعوا أيضًا إلى إنماء روح التعاون مع المؤمنين. "يعلم الرعاة الكنسيّون تمام العلم مدى أهميّة الإسهام من جانب العلمانيّين في ما يعود بالخير على الكنيسة كلّها. ويعلمون أنهم، هم أنفسهم، ما أقامهم المسيح ليحملوا وحدهم مجموع رسالة الكنيسة الخلاصيّة برمّته تجاه العالم: فقوام مهمّتهم العظيمة أن يدركوا كنه رسالتهم كرعاة تجاه المؤمنين، وأن يعترفوا بما يخصّهم من خدم ومواهب، بحيث يتعاون الجميع في الوحدة وكل بطريقته على العمل المشترك" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي نور الأمم، فقرة 30).

        ثمّة كهنة يعنون بتنشئتهم المتواصلة بالمطالعة واللقاءات. إني أشجعهم في هذا المضمار، كما اني أدعو الأساقفة، بالتعاون مع ذوي الأُهبَة في هذا المجال، إلى العمل على تنظيم وتطوير برامج تعليم لاهوتي ورعائي تُثري الكهنة في خدمتهم للمؤمنين.

        للكهنة مكانة مميزّة في الحوار المسكوني، وذلك بأن لهم علاقات متواترة مع رعاة الكنائس والجماعات الكنسيّة الأخرى. انفتاحهم المسكوني وأهبتهم للتعاون والحوار، بمنأىً عن الفوضى وفي احترام الأشخاص، يساعدان المؤمنين في أن يعقدوا، هم أيضًا، علاقات حارّة مع اخوتهم، لتسريع قضية الوحدة بين الكنائس.

        إذا قامت رعيّة في منطقة يعيش فيها أيضًا مسلمون، فما يتحلّى به الكهنة من أهبة أخوية للانفتاح والتعاضد، يساعد المؤمنين في انتهاج طريقة في التعايش تناسب الدعوة التي يتميّز بها لبنان (را: التوصية 14).

        هذه الاهتمامات التي لها وزنها في كلّ سيرة كهنوتيّة، تُظهر بجلاء ان المرشحين للكهنوت يجب أن يتلقّوا لا تنشئة فكرية ولاهوتيّة وكتابيّة وروحيّة متينة وحسب، بل تنشئة إنسانيّة أيضًا تساعدهم في اكتساب نضج شخصي وتلفتهم إلى القرائن الثقافيّة المعقّدة التي يجب ان يمارسوا فيها خدمتهم الكهنوتيّة (را: الجمعيّة الخاصّة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان، وثيقة العمل، فقرة: 51).

الرتبة الشماسيّة

لقد أعاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني إلى الرتبة الإنجيليّة الدائمة مكانتها التي ظلّ التقليد الشرقي حريصًا عليها. يمثّل الشمامسة المسيح بصفته خادمًا، وعلى الأخصّ في مجال خدمة الفقراء وخدمة كلمة الله والليترجيا، ولا بدّ، من ثمّ، من إعادة تقييم هذه الرتبة المقدّسة، وتأمين تنشئة مناسبة للمرشحين لها، وما يتلاءم مع أوضاعهم من وسائل العيش (را: التوصية 16).

ثالثًا - تجديد بُنى الشركة
العمل معًا على بناء جسد المسيح

إن ما أعرب عنه الآباء السينودسيون من رغبة شجاعة في التجدّد يفترض انفتاحًا حقيقيًا في الفكر والقلب لتنمية سبل التنسيق والتعاون بين جميع الكاثوليك. لا يسوغ لأحد أن يحتكر لذاته شرف الرسالة بل يجب على الجميع أن يَدَعوا المسيح يعمل بواسطتهم لئلا تتعرقل العطايا والمواهب التي ينعم بها أعضاء الكنيسة الكاثوليكيّة على أنواعهم. ويقتضي هذا أن تقوم بين جميع المرجعيّات الكنسيّة شبكة مواصلات. ضرورة هذه المواصلات يفرضها ما نجده في لبنان من تشابك بين مختلف الأبرشيات الكاثوليكيّة، وبالتالي بين مختلف المرجعيّات القانونيّة. هذه العقبة يمكن أن تصبح نعمة: فهي تدفع المسؤولين إلى التشاور، مع احترام التنوعيّة والمرجعيّات المختصة؛ وهي تدعوهم ايضًا إلى بناء جسد المسيح معًا، والتحلّي بنفحة كنسيّة حقيقيّة (مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، الرسالة الراعوية الرابعة سرّ الكنيسة (ميلاد 1996) فقرة 51-53)، وذلك بالاقلاع عن ادّعاء ملكية الرسالة امتيازًا لهم أو لطائفتهم على رقعة معيّنة، والطاعة للمسيح الكاهن الأعظم. ولا بدع، فكلّ فرد او كلّ جهاز كنسي لا يسعى إلى التعاون يفتقر ويمسي غصنًا ميتًا يمنع حياة الروح من الجريان في عروق مجموع الكنيسة الكاثوليكيّة في لبنان.

الرعايا

ثمّة مؤمنون كاثوليك قلّما يشعرون بانتمائهم إلى الجماعة الرعويّة في مكان إقامتهم. بعضهم يظلّون متمسّكين برعية مسقط رأسهم، حتى وإن لم يبق لهم في الواقع أي صلة بها. التنقلات المرغمة، أثناء الحرب، أدّت هي أيضًا إلى أوضاع غامضة، يشعر فيها المؤمنون انهم متنازعون بين مَلاذ هجرتهم ومسقط رأسهم. في المدن يتضاءل معنى الجماعة الرعويّة شيئًا فشيئًا. ويكتفي المؤمنون بالذهاب إلى القداس في الكنيسة الأقرب، ويغيب عن ذهنهم ان المشاركة في الأسرار المقدّسة تعني أيضًا الانتماء إلى جسد. فالافخارستيا تبني الكنيسة وتجمع ما بين كنيسة السماء وكنيسة الأرض. وهي علامة الوحدة والمحبّة (را: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي نور الأمم، فقرة 3، 11، 17-26). الربط الروحية النابعة من الاصغاء إلى الكلمة والاشتراك في الخبز الواحد تؤتي ثمار سلام وتضامن في العلاقات البشريّة. بيد ان كثيرًا من المؤمنين انتهوا إلى تصوّر فرداني للايمان المسيحي، بمنأىً عن كل مشاركة ناشطة في حياة الكنيسة المحليّة. ويكاد ان يمسي الكاهن، والحالة هذه ، قيّمًا على المعاملات الضروريّة في أحوال المعموديّة والزواج والوفاة، بينما هو، قبل أي شيء آخر، منشّط الجماعة المسيحيّة، بالتعاون مع الشمامسة الانجيليّين والعلمانيّين من أهل الكفاية. على الراعي ان يحمل همّ القطيع كلّه، من غير ان يهمل الأضعفين، والذين لا يؤمّون الكنيسة كثيرًا والمهمَّشين عن المجتمع والمرضى والمحتاجين إلى من يزورهم في بيوتهم. إني أحضّ الرعاة على زيارة المؤمنين الموكولين إليهم، لكي يظلّوا بقربهم، ويوثقوا العلاقات بين جميع أعضاء الجماعة الرعوية ويرافقوهم في حياتهم الروحيّة ويدعموهم في الملمّات.

الرعايا هي الخلايا الأساسيّة في الجسم الكنسي، هي أجزاء من شعب الله، "تمثّل، نوعًا ما، الكنيسة المرئيّة القائمة في العالم أجمع" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور في الليترجيا المقدّسة، هذا المجمع المقدّس، فقرة 42)؛ وهي مكان للاضطلاع برسالة جماعيّة، لأنها تضمّ في حضنها فئات بشريّة متعدّدة، بلا تمييز في السن أو في المقام الاجتماعي، لتدخلها في الكنيسة الجامعة. ويتقوّى المؤمنون فيها بممارسة الأسرار، وبخاصة الافخارستيا والتوبة (را: التوصية 17)، للقيام بالرسالة الموكولة إليهم في العالم، وخصوصًا التربية الدينيّة للشبّان والشهادة المسيحيّة. في هذا الروح، من المفيد ان نساعد المسيحيّين في التعمّق في كتاب التعليم الدينيّ للكنيسة الكاثوليكيّة (را: الرسالة في حلول الألف الثالث الفقرة 4: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 32)، وهو يعرض "بأمانة وانتظام تعليم الكتاب المقدّس والتقليد الحيّ في الكنيسة وتوجيهات السلطة التعليميّة، وكذلك التراث الروحي الذي خلَّفه لنا آباء الكنيسة والقديسون والقديسات وذلك لكي يتاح للمؤمنين أن يعرفوا السرّ المسيحي معرفة أعمق وينعشوا إيمان شعب الله" (يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي، وديعة الايمان (11 تشرين الأول/1995): أعمال الكرسي الرسولي 86 (1994)، ص 116). هذا التعليم يجب أن يرافقه سعي متواصل ومسؤول إلى ترجمة العقيدة المسيحيّة وتوجيهات السلطة التعليميّة بمقتضى الأوضاع الراهنة وفي ثقافة معيّنة، "وذلك بتطبيقها، بطريقة عمليّة وأمينة، على صعيد كل كنيسة وكل الكنيسة. لا بدّ من العودة ابدًا إلى هذا المعين" (يوحنا بولس الثاني، خطاب في كنيسة القديس بولس خارج الأسوار (25 كانون الثاني 1985): الوثائق الكاثوليكيّة 82 (1985)، ص 283) وإلى هذا المرجع الراعوي اي المجمع، واعتماده مع مصادره الروحيّة والليترجيّة، لكي تكون الليترجيا حقيقة اعترافًا بالايمان الذي ورثناه عن الرسل (يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي وديعة الايمان (11 تشرين الأول 1992): أعمال الكرسي الرسولي 86 (1994)، ص 116).

        لذا أشجع المؤمنين الكاثوليك، ومعهم الرعاة، على التعمّق في الايمان بالدرس وقراءة الكتاب المقدّس في الأسرة والانتماء إلى فرق بيبليّة والمشاركة في سهرات إنجيليّة في الرعايا والمدارس والجامعات والحركات الكنسيّة. وأطلب أيضًا ان تقام خلوات روحيّة تعتمد كلام الله والعقيدة المسيحيّة، ويدعى إليها شباب بالغون (را: التوصية 3). والواقع ان معظم المؤمنين يُحرزون معارف متقدّمة في مجالات العلم والتقنيّة. فلا بد من ان تنمو ايضًا معرفتهم بالسرّ المسيحي، لكي تستنير حياتهم اليوميّة بحياتهم الروحيّة. ومن الأهميّة بمكان، في لبنان الحديث، أن تتغذّى الثقافة بكلام الله وإيمان معمّق فيستلهمها الفكر المسيحيّ في معالجة القضايا الأساسيّة التي يواجهها الفرد والجماعة (المرجع نفسه). هكذا يكتشف المؤمنون العلمانيّون ان مساهمتهم في حياة الكنيسة أمر جوهري، على صعيد الرعايا والحركات او على صعيد الأبرشيّة، وبخاصة هيئات القرار كالمجلس الراعوي الأبرشيّ والمجالس الرعوية (مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 272-275؛ مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق، الرسالة الراعوية الرابعة سر الكنيسة (ميلاد 1996)، ص 59).

67.   عندما تقوم عدة رعايا على رقعة واحدة، فهي مدعوّة إلى تعاون وثيق، مع المحافظة على هويتها واستقلاليتها، وفي ذلك علامة بليغة على وحدة الكنيسة في شركة ناشطة ومع شرعية احترام التنوّعات، وبخاصة في المجالس الرعوية المختلطة (را: التوصية 18؛ مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق، الرسالة الراعويّة الرابعة سر الكنيسة (ميلاد 1996)، فقرة 47). ومن جهة أخرى، ليس بالامكان دائمًا أن يكون هناك كهنة مقيمون لكلّ رعية في كل كنيسة بطريركيّة. فنظرًا إلى الحاجات الرعوية الملموسة، يسوغ ان يُطلب من كاهن ان يقيم الأسرار في طقس ليترجي غير طقسه، شرط أن يكون قد استعدّ لذلك استعدادًا لائقًا ونال الاذن من السلطات المختصة.

        ثمّة أيضًا رعايا صغيرة قد يصعب عليها جدًا ان تبني كنيستها، بينما هناك كنيسة أو أكثر تابعة لأبرشية أخرى في ذات القطاع. أيّام الحرب وعند اقتضاء الحاجات، وُضعت كنائس في استعمال المؤمنين من مختلف التقاليد الليترجيّة. هذه الضيافة يمكن ان تعمّم اليوم على كلّ المناطق التي يحبّذ فيها مثل هذا التدبير، مع ما ينجم عن ذلك شهادة محبّة "بالعمل والحق" (1 يو 3: 18).

        من باب التمنّي أيضًا التفكير بإقامة رابطات من رعايا مختلفة، حيث يمكن ذلك، تشجيعًا على تقاسم  الثروات الانسانيّة والروحيّة بين الجماعات الرعويّة، ولكي لا يشعر المؤمنون بأنهم متجاذبون بين انتمائهم إلى الرعية وتطوّعهم في خدمة اخوتهم في الحيّ. هذه الرابطات تشجّع على الحوار والتشاور والتعاون والتساند المادّي والروحي والرعائي. هكذا ينمو بين المؤمنين من مختلف الطقوس، روح شركة يستفيد منه، بالنتيجة، الروح الجماعي الذي هو من مقوّمات النفس اللبنانيّة.

68.   وبذات الدرجة من الأهميّة تشجيع التعاون بين الرعايا القائمة ضمن الأبرشيّة الواحدة، وتحسيس المؤمنين بمختلف وجوه الحياة الكنسيّة في الأبرشيّة وفي العالم، وذلك عن طريق الاعلام والدعوة إلى تطوّعٍ مسيحيٍّ ملموس. ويتحقّق ذلك على قدر ما يتمّ التعاون والتلاقي بين الكهنة أنفسهم. من باب التمنّي إذن أن يعيش الرعاة في رعاياهم في اتصال وثيق مع اخوتهم في ذات القطاع، وعلى علاقة حسنة مع الشمامسة الانجيليّين وسائر المعاونين الرعويّين (من رهبان وراهبات وعلمانيّين)، مع احترام أمانة كل منهم لانتمائه الكنسي. هذه العلاقات الأخويّة يمكن ان تعمّم على رعاة الكنائس والجماعات الكنسيّة الأخرى، في روح انفتاح مسكوني. هكذا تظهر حقيقة، وبطريقة مرئيّة، علامات وحدة بين مختلف العائلات الكنسيّة، وذلك ما تصبو إليه بحق الشبيبة المسيحيّة اللبنانيّة (المرجع نفسه).

الأبرشيّات

"الأبرشيّة هي جزء من شعب الله موكول إلى اسقف يقوده بالتعاون مع الجسم الكهنوتي، بحيث يتّحد براعيه (الأكبر) ويتجمّع بواسطته في الروح بفضل الانجيل والافخارستيا، فيكون كنيسة خاصّة تحلّ فيها حقيقة وتعمل كنيسة المسيح الواحدة المقدّسة الجامعة والرسوليّة" (مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 177، بند 1؛ راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار في مهمّة الأساقفة المسيح الرب، فقرة 11). وتتكوّن الأبرشيّة من مجموعة رعايا، فمن الطبيعي أن تكون القضايا الملحوظة على صعيد الرعايا شبيهة بما نلحظه على صعيد الأبرشيّة. ثمة عدد كبير من الأساقفة من مختلف الكنائس ذات الحقّ الخاصّ يشتركون في الولاية على ذات الرقعة الجغرافيّة، وهذا يقتضي أيضًا التحلّي بروح التشاور والتنسيق والتعاون (المرجع نفسه، قانون 202). توخيًا لفائدة شعب الله راعويًّا يحسن التفكير في إعادة تنظيم الأبرشيّات لجهة توزيعها الجغرافي، وفقًا للحاجات، وبالتماشي، قدر الإمكان، مع التقسيمات الاداريّة، رغبة في مزيد من الفاعلية والتنسيق في الخدمة الراعوية.

        في هذا المجال العملي أتبنّى أمنية الآباء السينودسيين أن تُنظَّم دوائر الأبرشيّات والبطريركيّات تنظيمًا صحيحًا وتجهّز كما يجب. وعلى المدعوّين إلى العمل أن يعملوا في هذه الدوائر من كهنة وشمامسة إنجيليّين وعلمانيّين أن يتذكروا ان وظيفتهم هي رسالة كنسيّة وخدمة لشعب الله، وعليهم من ثم أن يتصرّفوا كخدام صالحين ويحرصوا على ألاّ يحيدوا عن الاستقامة الروحيّة والخلقيّة، وألاّ يسخّروا وظيفتهم لأغراض سياسيّة او لترقيّات شخصيّة او عيليّة. ولا بدّ لهذه الدوائر أيضًا من ان تتعاون معاً لمزيد من خدمة الكنيسة في لبنان (را: التوصية 19). في هذا الروح، يحسن بالكهنة، وبخاصة الكهنة الأبرشيّين، أن يشاركوا أساقفتهم مشاركة وثيقة، بصفتهم "أعوانًا حكماء للجسم الأسقفي"، ويجب ان "تقوم علاقاتهم على روابط المحبّة الفائقة الطبيعيّة" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، المسيح الرب، فقرة 28). هذه المحبّة الأخويّة، وهذا التعاون يجب ان يتمّا بطريقة ظاهرة وفاعلة ضمن المجلس الكهنوتي الذي يجب ان يقوم في كلّ أبرشية (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، قانون 264-270).

البطريركيّات

الكنائس البطريركيّة هي للكنيسة الجامعة ولكنيسة لبنان ثروة راهنة، وذلك بفضل التقاليد العريقة المميّزة - الليترجيّة واللاهوتيّة والروحيّة - التي  حضنتها منذ المجامع الكنسيّة الأولى وعلى مدى الألف الأوّل من تاريخ المسيحيّة (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي نور الأمم، فقرة 23؛ القرار في الكنائس الشرقيّة، فقرة 7). هذه التقاليد تشارك الكنائس الارثوذكسيّة في معظمها. الكنيسة التي أرادها المسيح هي سرّ وحدة في التمايز، وهي سرّ شركة (الكينونيا) تجد في الثالوث المقدّس مصدرها ومثالها وغايتها. على صعيد الكنيسة البطريركيّة تتجلّى هذه الشركة أولاً في الجماعيّة الأسقفيّة وما تفترضه من مشاركة فعليّة في المسؤوليّة ضمن سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة (مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 102-113). وهي تظهر أيضًا في صدق التعاون بين جميع أعضاء الكنيسة البطريركيّة. ولكي يكون هذا التعاون فعليًّا على صعيد الخدمة الراعويّة، أطلب من البطاركة ومن سينودس الأساقفة في كلّ بطريركيّة، أن ينظروا في إمكانيّة إنشاء جهاز راعويّ على صعيد الدائرة البطريركيّة والتفكير في إعادة  تنظيم الدوائر في كل بطريركيّة وكلّ أبرشية (را: التوصية 19). وتتجلّى الشركة أيضًا في العلاقات بين الكنائس البطريركيّة والكنيسة في جملتها، علما بأن هذه العلاقات قد نظّمتها اليوم مجموعة قوانين الكنائس الشرقية وذلك بأن جميع هذه الكنائس "قد وكل أمر إدارتها الراعوية إلى الحبر الأعظم" (يوحنا بولس الثاني، خطاب بمناسبة تقديم المجموعة الجديدة لقوانين الكنائس الشرقيّة لآباء السينودس (25 تشرين الأول/1990)، فقرة 2: الوثائق الكاثوليكيّة 87 (1990) ص 1084؛ راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار في الكنائس الشرقية، فقرة 3).

        منذ سنة 1990، صدرت المجموعة الجديدة لقوانين الكنائس الشرقيّة، وفيها يتجلّى اهتمام الكرسي الرسولي بالكنائس البطريركيّة، وحرصه على التنويه بالتقاليد الكاثوليكيّة الشرقية، في سكون هذا النظام، "وإعطاء الأولوية للمحبّة والنعمة والموهبة"، "وتسهيل ما يساعد في الحياة على نمو المجتمع الكنسي وجميع الأشخاص المنتمين اليه" (يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي في قوانين النظام المقدّس، اعمال الكرسي الرسولي 75 (1983)، ص 1، وقد أدرج هذا النص ثانية في الدستور الرسولي القوانين المقدّسة: أعمال الكرسي الرسولي 82 (1990)، ص 1042-1043). من المهمّ إذن أن يطبّق هذا القانون تطبيقًا هادئًا وبروح إنصاف وعدل تجاه كل المؤمنين المنتمين إلى مختلف السلطات القانونيّة البطريركيّة. ويعود إلى البطاركة أولاً، ومجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان وسينودسات أساقفة الكنائس البطريركيّة ولكلّ أسقف أن يسهروا على حسن إدارة القضاء (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 1062). وأطلب أيضًا من العاملين في المحاكم ان يحرصوا على ممارسة رسالتهم الكنسيّة في مراعاة القيم الأخلاقيّة المتصلة بوظائفهم وبنزاهة كاملة وبالاهتمام بخدمة الكنيسة. وسوف يكون ذلك دليل محبّة الكنيسة لأبنائها وعنصرًا هامًا لمصداقية الكنائس المحليّة، لأن العدالة والمحبّة يسيران معًا (را: القديس افرام السرياني، النشيد 26: الآباء الشرقيون 30، ص 142-143).

رابعًا - دعوة إلى التجديد الراعوي

التعليم الديني

بالعودة إلى الضرورات الراعويّة الملحّة التي أبرزها الآباء السينودسيون، أبدأ بحثّ الرعاة والمؤمنين على بذل قصارى جهدهم لتنمية التعليم الديني. "الهدف الأساسي من التعليم الديني هو العمل، بمؤازرة الله، على إنماء نواة الإيمان. وتعزيز الحياة المسيحيّة بملئها وتغذيتها يوميًا لدى المؤمنين من كلّ الأعمار" (يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي في نقل الكرازة، فقرة 20: أعمال الكرسي الرسولي 71 (1979)، ص 1293). ثمّة اذن تعليم ديني يوافق كل سنٍّ من سني الحياة وكلّ فئة اجتماعيّة من المؤمنين، الذين ابتعدوا عن الكنيسة وعن الايمان ويرغبون في الرجوع اليهما، لكي يتمكّن كل إنسان من سماع المتحدّثين بعجائب الله كلٌّ في لغته ويكون شاهدًا في ثقافته (را: أع 2: 11). التعليمُ الديني لا يقلّ، ولا شكّ، معرفة، ولكن هدفه الأساسيّ" لا أن يجعل الانسان في علاقة وحسب، بل في اتّحاد حميم بيسوع المسيح: فهو وحده قادر على ان يقودنا إلى محبّة الآب في الروح، ويشركنا في حياة الثالوث الأقدس" (المرجع نفسه، فقرة 5:  أعمال الكرسي الرسولي (71 (1979)، ص 1281).

        هذه المهمّة هي في طليعة مسؤوليّات الكنيسة، وتتطلَّب تجنيد المؤمنين بأجمعهم، وتجنيد كلٍّ بما لديه من مواهب. وتقع مسؤوليتها على كلٍّ من الكنائس البطريركيّة ودرجاتها الإيررخيّة، في التعاون بعضها مع بعض. لا بدّ إذن من التنسيق، في هذا المجال، وبإمكان مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وهو مرجعيّة التعاون، أن يقوم بدور طليعي في هذا المجال.

        على الأهل أولاً، وفي حضن الأسرة، أن يؤمنّوا التعليم المسيحي بطريقة واقعيّة لأنهم هم أول المسؤولين عن تربية أبنائهم (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 627). وللمدرسة أيضًا، في هذا المضمار، مكانة هامّة وإنْ محدودة؛ وذلك بأنها تعجز عن إدراج الولد في تراثه الليترجي الخاص، فطلاّب المدارس ينتمون، في معظم الأحيان، إلى كنائس مختلفة. على الرعية اذن ان تساعد وتؤازر الأهل في التعليم الديني وتعزّز انضواء الشباب إلى الكنيسة المحليّة وتوفّر للبالغين تعليمًا دينيًا مناسبًا. أدعو اذن الأهل والرعاة إلى الاضطلاع بهذه الرسالة، رسالة تعليم الايمان، بغاية الاهتمام، لأن ما يزرع في الطفولة يُؤتي ثمرًا على مدى الحياة. في هذا الروح تمنّت السلطة الكنسيّة الكاثوليكيّة في لبنان ان تقام المناولة الاحتفاليّة في الرعايا، وقد كانت إلى الآن تقام في كثير من المدارس الكاثوليكيّة. هناك أيضًا حركات مسيحيّة للشباب والبالغين، ومراكز تنشئة مسيحيّة بإمكانها ان تؤدّي دعمًا نفيسًا لمسيرة التعليم المسيحي.

على الأهل أن يمارسوا، بحافز دعوتهم الزوجية والعيليّة، مسؤوليتهم في تربية أبنائهم على الايمان والصلاة والفضائل الانسانيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة (را: يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي في الأسرة، فقرة 36-37؛ 60: أعمال الكرسي الرسولي 74 (1982)، ص 126-129؛ 152-153). هذه التربية تتناول الاولاد منذ نعومة أظفارهم؛ وتكمل عندما يتعاون أعضاء الأسرة في النموّ في الايمان واحترام القيم الانسانيّة الأساسيّة، بفضل ما يؤدّونه من شهادة حياة مسيحيّة يعيشونها كلّ يوم بحسب الانجيل، في التواضع والصمت والمثابرة. وعليهم، على ذلك، أن يواصلوا، في إطار عيلي مفعم بالحبّ والاحترام، ما تلقّوه من غير مصدر من تنشئة نظيمة. وفي هذا ما يؤثّر في الأولاد تأثيرًا حاسمًا، ويمكّن الأهل أنفسهم من أن يجنوا ثمارًا بيّنة لحياتهم الشخصيّة ولتمتين عرى الثقة بينهم وبين أبنائهم (را: يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي في نقل الكرازة، فقرة 68: اعمال الكرسي الرسولي 71 (1979)، ص 1333-1334). ولكن لكي يتمكّن الأهل من تلبية دعوتهم، يحقّ  لهم ان يجدوا عونًا في المؤسّسات الرعويّة أو الأبرشيّة التي توفّر لهم التنشئة اللازمة في إطار مناسب.

73.   في المدارس الكاثوليكيّة، لا بد من تزويد التعليم المسيحي ببرامج مفصّلة مستوحاة من كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة ومتجذّرة في تقاليد الكنائس الشرقيّة، ومنفتحة على المدى المسكوني، وملبيّة لحاجات الشباب. الأشخاص المعنيّون بالتعليم المسيحي يتسلّمون من الكنيسة رسالة هامّة. فلا بدّ من اختيارهم باعتناء وتنشئتهم بطريقة مميزّة، فيرافقون الشباب في نموّهم الانساني والروحي بصبر ومنهجيّة تربوية، ويحرصون على تزويدهم بالبلاغ المسيحي ويساعدونهم في اكتشاف الاجوبة على تساؤلاتهم الأساسيّة في شأن معنى الوجود. معلّم التعليم المسيحي هو أكثر من أستاذ: إنه شاهد إيمان الكنيسة وقدوة في الحياة الخلقيّة. وهو يقود كلّ شاب إلى اكتشاف المسيح ويوجّهه شطر الرعية ليتجذّر في الكنيسة المحليّة (را: التوصية 23).

        في غضون سني التنشئة يجب أن تكون المدرسة جماعة مؤمنة، تتيح للشباب وللمربّين معًا خبرة شركة بين مختلف الكنائس البطريركيّة، وتبعث فيهم رغبة العيش ضمن جماعة مسيحيّة على مدى حياتهم. العلاقات بين الرعايا والمدارس تعزّز اندماج الشباب في حياة الرعيّة، ولكن بدون المساس بالديناميّة المسيحيّة داخل المؤسّسات المدرسيّة، وذلك بفعل التكامل البديهي ما بين المواقع الكنسيّة. على المسؤولين عن إدارة المدارس الكاثوليكيّة أن يعنوا بتنمية مُناخ إيمان وتحسّس للقيم الإنسانيّة والأخلاقية في الأسرة التربويّة التابعة لمؤسّستهم، وذلك في احترام من لا يشاركونهم عقائدهم وثقافتهم المسيحيّة، ولكن من دون التستّر عن القيم المسيحيّة التي يرتكز عليها نظامهم التربوي. ليسهروا إذن على أن يُخصص الطلاب الكاثوليك بما يكفي من الوقت للتعليم المسيحي وتوضع في تصرّفهم الوسائل المناسبة. ويجب، من جهة أخرى، العمل على تأمين التعليم المسيحي في المدارس الرسميّة وفي المدارس غير الكاثوليكيّة.

        وأما الرعايا فعليها أن تفتح أبوابها للشباب، وتتيح لهم الاشتراك الناشط في الليترجيا والأسرار والأعمال الرعويّة وتوفّر لهم ما يلزمهم من وسائل وأمكنة في مراكز رعوية. فالشباب بحاجة إلى أن يتلاقوا ويعقدوا علاقات في ما بينهم، ومع كهنة وأشخاص بالغين من ذوي المسؤولية (را: التوصية 17). ويتحمّل الكهنة أيضًا مسؤولية كبيرة جدًا في مجال التعليم المسيحي للبالغين، خصوصًا عن طريق عظة يوم الأحد.

الحركات المسيحيّة هي، للكنيسة الكاثوليكيّة في لبنان، كنز ثمين. أعضاؤها يعيشون فيها خبرة حياة أخويّة، وحياة مسيحيّة خالصة. على المسؤولين، ولا شكّ ، أن يحافظوا على ما تتميّز به حركاتهم من طابع خاص. ولكن عليهم ايضًا ان ينظروا باستمرار في تمسّك هذه الجمعيّات العلمانيّة بالضوابط الكنسيّة (را: يوحنا بولس الثاني، الارشاد الرسولي العلمانيّون المؤمنون بالمسيح، فقرة 30: أعمال الكرسي الرسولي 81 (1989)، ص 446-448) وليحرصوا على أن يتلقّى أعضاء هذه الحركات تنشئة إنسانيّة ودينيّة معمّقة ومستمرة فتنمو بذلك محبتهم للمسيح وللكنيسة (را: التوصية 24) ويظلّوا متصلين عضويًا برعاياهم (را: التوصية 14؛ 17؛ 18؛ 23)، ويؤدّوا شهادة شركة متينة وقوية في عقيدتهم "واحترام متبادل لكلّ أشكال الرسالة في الكنيسة" (المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار في رسالة العلمانيّين، النشاط الرسولي، فقرة 23). على الحركات أن تعمل بروح الطاعة للبطاركة والأساقفة، وتسهر على أن تتناغم نشاطاتها مع ما يتميّز به تراث الكنائس التي تعمل في سبيلها. اعتراف الكرسي الرسولي بحركة من هذه الحركات هو دعوة إلى المشاركة في حياة الكنيسة ورسالتها والاندماج في المجتمع الأهلي والحياة الرعائيّة المحليّة، ولكن في الطاعة لسلطة الرعاة وبالتناغم مع الكنائس الخاصة والتقاليد الليترجيّة المميّزة، في شركة رسالية حقيقيّة (را: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، قرار في رسالة العلمانيّين، النشاط الرسولي؛ الإرشاد الرسولي العلمانيّون المؤمنون بالمسيح، فقرة 25؛ 30-32: أعمال الكرسي الرسولي 81 (1989)، ص 436-437؛ 446-452). معاهد التعليم العالي (را: مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، قانون 640؛ 646-647)

على الجامعات والمعاهد الكاثوليكيّة أن تسهر على هويتها المميزة، وهدفها ضمان الوجود المسيحي في العالم الجامعي (را: يوحنا بولس الثاني، دستور رسولي في الجامعات الكاثوليكيّة من قلب الكنيسة فقرة 12-37: أعمال الكرسي الرسولي 82 (1990)، ص 1482-1496)، وذلك بالعمل، في ضوء الايمان الكاثوليكي، على تعزيز فكر مسيحي، بمستوى أكاديميّ رفيع، في مختلف قطاعات المعرفة البشريّة، ونمط من التعليم يرتكز على الثقافة المسيحيّة ورؤية شاملة للانسان تنسجم مع التراث الانتروبولوجي والاخلاقي واللاهوتي في الكنيسة. وعلى هذه الجامعات والمعاهد ان تتنبّه دومًا للحفاظ على طابعها الكاثوليكي في ميزاته الأساسيّة: وهي النكهة المسيحيّة لدى الأسرة الجامعيّة، والبحث المتواصل في كنوز المعرفة البشريّة في ضوء الايمان الكاثوليكي، والأمانة للسلطة التعليميّة في الكنيسة، وتطوّع المؤسّسة في خدمة شعب الله والناس أجمعين (را: يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي من قلب الكنيسة، فقرة 12: المرجع المذكور، ص 1482؛ مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، قانون 641). لقد قامت المعاهد الرهبانيّة ولا تزال تقوم بعمل موصوف لإنماء ثقافة منسجمة مع الايمان ولكي تضطلع الجامعة الكاثوليكية بمهمتها في الكنيسة وتجاه المجتمع، مشجّعة أيضًا الحوار ما بين الثقافات.

        ثمّة عدد من المعاهد العالية في المعارف الدينيّة والفلسفيّة تقدّم للمؤمنين تنشئة في علم التفسير واللاهوت والفلسفة والروحانيّة، وفقًا لما تعلّمه السلطة الكنسيّة. إنها تجعل في متناول عدد كبير من المسيحيّين المعارف التي تمكّنهم من إنماء حياتهم الروحيّة، وأَداء شهادة أعمق في حياتهم اليوميّة وتحصيل مستوىً في الدراسات الدينيّة يتناغم مع دروسهم الدنيويّة. من هنا دعوة المسيحيّين إلى إنعام النظر في فهم الايمان، والامعان في اكتشاف كلام الله والمعتقدات والتقاليد الليترجيّة على انواعها، مع الاقرار بالمبادئ الأخلاقيّة الأساسيّة (المرجع نفسه، فقرة 15: المرجع المذكور ص 1484).

لقد اهتمّت الكنيسة دومًا بتنشئة الشباب إنسانيًا ومهنيًا عبر تعليم جامعي ومهني رفيع يُعِدُّهم لممارسة إحدى المهن؛ ولا غرو فالعمل هو عنصر أساسي من عناصر الوجود البشري (يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامّة في ممارسة العمل، فقرة 4: أعمال الكرسي الرسولي 73 (1981)، ص 584-586). ويساعد التعليم، في الوقت نفسه، في بناء شخصيّة الشباب، وإنماء ثقافتهم، واكتشاف طريقة مسيحيّة للعيش في العالم وفي العمل، وفي أوقات الفراغ وفي الحياة اليوميّة، أي لتعزيز روحانيّة عمل حقيقية في ذواتهم. وفي هذا ما يؤهّبهم، بطريقة مفيدة، لأن يكونوا شهودًا للمسيح بمثال حياتهم وبالقيم التي يسعون إلى اشاعتها في ما حولهم.

        الهدف المنشود من وراء التعليم العلمي والتقني هو العمل على تعزيز وتنشيط ثقافة علميّة عميقة وحب للبحث يجعلان الشباب أهلاً لأن ينشطوا كلٌ في قطاعه. مثل هذا النهج في التعليم يتيح الأخذ بثقافة وانتروبولوجيّة مسيحيّة حقيقيّة، ونمط مسيحي في العيش يرتكز على القيم الأساسيّة ومبادئ العقيدة الاجتماعيّة في الكنيسة. التنشئة المهنيّة والشغل البشري يؤثران في مختلف قطاعات الحياة: حياة العمّال الفرديّة والعيليّة والاجتماعيّة. "ينجم عن هذا كلّه ان الانسان يربط هويته البشريّة العميقة بانتمائه إلى وطنه، ويتوسّم ايضًا في شغله وسيلة لإنماء الخير العام الذي يعمل على تكوينه بالتعاون مع مواطنيه، مدركًا ان العمل بهذه الطريقة يفيد في مضاعفة تراث الأسرة البشريّة بأسرها، وجميع البشر العائشين في هذا العالم" (المرجع نفسه، فقرة 10: المرجع المذكور، ص 601-602). المؤسّسات الكاثوليكيّة للتعليم العالي، وفقًا لطبيعة كلّ منها وقوانينها وأهدافها، "تقدّم للكنيسة وللمجتمع حصّتها في المساهمة في البحث والتربية أو التنشئة المهنيّة" (يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي من قلب الكنيسة، فقرة 10: أعمال الكرسي الرسولي 82 (1990)، ص 1481).

كليّة اللاهوت الكنسيّة

لكي تتمكّن الكنيسة من النموّ والرسوخ، عليها ان تلحظ ضرورة التجديد في تعليم اللاهوت والفلسفة والحق  القانوني، واعداد المربين والمعلّمين - من كهنة وشمامسة إنجيليّين ورهبان وراهبات وعلمانيّين - لمواجهة مستلزمات الحياة الرعائيّة، ولا بدّ من التعمّق، بلا ملل، في كنوز اللاهوت والتقاليد الروحية الشرقيّة، ولكن بدون إهمال تراث الكنيسة الجامعة. هذه البحوث لن تخلو من التأثير في الحوار المسكوني وبخاصة بين مجموع الكنائس الانطاكية، وفي العلاقات مع الجماعات الاسلاميّة التي اغتنى ايضًا تراثها الروحي عبر التاريخ. كلية اللاهوت في لبنان لها إذن أهميّة لا تضاهى في تعليم المعارف المقدّسة، على الصعيد الجامعي، سواء لأعضاء الاكليروس أم الأشخاص المكرسين أم العلمانيّين.

        تلبيةً لمستلزمات العصر، لا بدّ من العمل على تجديد برامج الدروس، بحيث تحظى دراسة  الكتاب المقدّس والعقيدة والتقاليد الشرقيّة، بمكانة مميّزة، ولكن بدون التغاضي عن التقاليد الأخرى. على كلية اللاهوت ان تسعى، بوجه خاص، إلى تكوين مقاربة شاملة للاهوت ومنهجية عمل تراعيان تراث الكنائس الشرقيّة. وعليها ان تسعى خصوصًا إلى إظهار المبادلات والعلاقات الوثقى بين العقيدة والليترجيا والروحانيّة التي تميّز المسيحيّة في الشرق (را: يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي في الحكمة المسيحيّة، مقدمة 3-5؛ المادة 38-45، 65-83: أعمال الكرسي الرسولي 71 (1979)، ص 472-476، 485-487، 491-496؛ خطاب في المعهد الشرقي الحبري، 12 كانون الأول 1993: الرقيب الروماني بالفرنسيّة، 51 (1993)، ص 3؛ 6). هذه البرامج يجب أن تتوخّى أولاً تزويد الطلاب بمعرفة حيّة وفي الصلاة، بطريقة التعبير عن إيمانهم الملازم لهويتهم الكنسيّة. فإذا رسخوا في هذا التراث، بات بإمكانهم الاغتناء بمعرفة تراث المسيحيّة الغربيّة. ويسعدني، في هذا المجال، أن يكون هناك كهنة لبنانيّون يتابعون تحصيلهم الديني في معاهد كنسيّة خارج لبنان، فتتلاقى بذلك التقاليد الغربيّة والشرقيّة على أنواعها. ولا شكّ ان المزاوجة بين ما حصّله هؤلاء الكهنة في الخارج وتراثهم الخاص سوف يجعل منهم عناصر ثمينة في البطريركيّات التي ينتمون إليها، أهلاً لأن يؤدّوا قسطهم من الأبحاث والنشرات العلميّة الرصينة (را: المرجع نفسه).

        في روح من الخدمة والانفتاح وبمراعاة الأحوال المعقّدة في الشرق الأدنى، تقع على كلية اللاهوت مسؤوليّة الاضطلاع بتعليم العقيدة والتفسير الكتابي بالنوعية المطلوبة والأمانة لمختلف التقاليد وللسلطة التعليميّة في الكنيسة. من هذا الملحظ يتحمّل المدرّسون مسؤولية خاصّة "فهم يقومون بعمل مميّز في خدمة كلام الله ويلقنون الشباب دروس الايمان، ويكونون لتلاميذهم ولسائر المؤمنين شهودَ الحقيقة الحيّة النابعة من الانجيل ومُثُل أمانة للكنيسة (المرجع نفسه، التمهيد ص 4: أعمال الكرسي الرسولي 71 (1979)، ص 474-475). وظيفة معلّم اللاهوت ان يبني الأسرة الكنسيّة ويقوم بخدمة سامية لشعب الله. ثم على المعلمين ألاّ يهملوا العمل على إعداد باحثين آخرين يواصلون غدًا دراسة اللاهوت، بشرط ان يظلّوا متمسّكين كلّ التمسّك بوديعة الايمان ويقوموا بأبحاثهم ضمن إيمان الكنيسة؛ وعليهم ان يراعوا تطوّر الثقافات والذهنيّات في تعليم الايمان ونقل الحقائق الانجيليّة بلغة مفهومة والمساهمة في بنيان الكنيسة بجهد متواصل، من دون أن يلحقوا أيّ تشويه بالعقيدة. ويجب، من جهة اخرى، ألاّ يفوتنا أنّ الكليات الكنسيّة تساهم في إرساء حوارات بين ثروة البلاغ الانجيلي الخلاصي، وتعدّد المعارف والثقافات (مجمع التربية الكاثوليكيّة، المجلس الحبري للعلمانيّين، المجلس الحبري للثقافة، وجود الكنيسة في الجامعة والثقافة الجامعيّة، 2، 2: الوثائق الكاثوليكيّة 91 (1994)، ص 607-608)، ممهّدة الطريق لتبادلات مثمرة (يوحنا بولس الثاني، الدستور العقائدي من قلب الكنيسة، فقرة 6: أعمال الكرسي الرسولي 82 (1990)، ص 1479). وسوف يساهم ذلك في ما لا بدّ منه من انفتاح رساليّ وخلاصيّ، لأن كلّ كنيسة خاصّة تنطوي على ذاتها لا تعود بمستوى رسالتها.

رعاية الدعوات

أودّ هنا، مع آباء السينودس، أن أنوّه بضرورة العمل على رعاية مشتركة للدعوات، لتتمكّن كلّ كنيسة بطريركيّة من تطويع وسائلها الخاصّة لخدمة مجموع الكنيسة الكاثوليكيّة في لبنان. والواقع ان كلّ ما يتحقّق في هذا المجال بالتجابه او التنافس، لن يكون إلاّ لمضرّة دينامية الجسم الكنسي كلّه. ويفترض عمل التمييز، من قبل المرافقين والمربّين، قدرًا كبيرًا من الحرية الباطنة، تتيح لهم أن يساعدوا الشباب في اكتشاف الوجهة التي يدفعهم إليها الروح. وعلى جميع المعنيّين بالحياة الرعائيّة أن يتضافروا لمساعدة الشباب في تمييز الدعوة التي يوجسونها لخدمة الكنيسة سواء في الكهنوت أم في الحياة المكرّسة للرجال أو للنساء. ويجب أن يهتمّوا بإعطاء الشبيبة أمثلة حياة تبعث الفرح والرغبة في تلبية دعوتهم إلى الكهنوت او الحياة المكرّسة او التطوّع للعمل الرسولي العلماني.

        وأدعو أيضًا كل المؤمنين إلى أن يرفعوا إلى الرب أدعية حارّة من أجل الدعوات، وبخاصة في إطار أسبوع الصلاة العالمي من أجل الدعوات، ليرسل الرب عملة إلى حصاده (راجع متى 9: 38)؛ وهذه الطريقة ممتازة لتحسيس الشباب بمسألة الدعوات وإسماعهم نداءات الكنيسة وتزويدهم بالمعلومات الضرورية عن مختلف أشكال التطوّع مع ما يلازمها من الشروط ومراحل التنشئة (را: التوصية 25).