CPC
![]()
عظة
غبطة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير
في
القداس الذي احتفل به في عمّان في 9 - 10 - 1998
"يطلب
راحة فلا يجد" (متى 12:34)
1- إنّا
نحيّيكم، باسم الرب يسوع، تحية المحبة والتقدير ونشكر لكم من صميم القلب ما خصصتمونا
به من استقبال حافل جاء تعبيراً عمّا تكنونه لنا من مشاعر محبة واحترام، ونسأل
الله، بشفاعة السيدة العذراء، أمّ الله، والقديس شربل الذي جئنا نحتفل اليوم معكم
بعيده، أن يكافئكم عنّا خيراً ومزيد عافية، وأن يبارككم أنتم وعيالكم ويسدّد خطاكم
إلى التوفيق، برعاية صاحب الجلالة الملك حسين، عاهل المملكة الأردنية، الذي نسأل
الله له الشفاء العاجل ليواصل جهوده الحثيثة في ما يعود على الأردن العزيز
بالازدهار، وعلى شعبه الأبي بالطمأنينة، والرفاه، والسعادة.
2- ولا
شكّ عندنا في أن هذا الاستقبال الذي نلقاه لديكم يدلّ على تمسكّكم بإيمانكم بالله،
وبكنيستكم المارونية وتراثها وتاريخها وطقوسها التي انتقلت إليكم عن لآبائكم
وأجدادكم، وإنكم تحافظون عليها محافظتكم على أثمن ما تملكون من كنوز في دنياكم.
ولا نظننا مخطئين، إذا قلنا - وهذا هو شعورنا أن سعادتنا بلقياكم لا يعادلها، إلاّ
سعادتكم بلقيانا، وقد تكبّدتم المشقّة، وتخطيّتم الحواجز، وأتيتم لتجتمعوا بنا،
وتشتركوا في الذبيحة الإلهية التي نحتفل بها، بمعاونة راعي نفوسكم، أخينا ونائبنا
الجليل، صاحب السيادة المطران بولس نبيل الصياح، السامي الاحترام، وخادم رعيتكم
ولدنا العزيز الخوري جورج شيحان.
3- و إنّا
ننتهزها فرصة لنتأمّل معكم في سيرة حياة القديس شربل الذي اخترتموه شفيعاً لكم
وللكنيسة التي عقدتم العزم على تشييدها على أرض المملكة الأردنية المضيافة،
السمحاء. وانه لواجب علينا أن نرفع آيات الشكر لصاحب الجلالة الملك حسين لتكرّمه
بتقديم قطعة أرض لتشييد هذه الكنيسة. وليست هذه هي البادرة الأولى التي يظهرها
تجاه كنيستنا المارونية وأبنائها بوجه خاص، وتجاه لبنان واللبنانيين بوجه عام.
فشكراً له أريحيته وسخاءه مقروناً بدعائنا الحارّ له بالإبلال السريع.
4- إن
القديس شربل لم يطلب الراحة في حياته، خلافاً لمن يتحدّث عنه هذا المقطع من
الإنجيل المقدس الذي تلوناه على مسامعكم. وقد جاء فيه: "إن الروح النجس إذا
خرج من الإنسان طاف في أمكنة لا ماء فيها يطلب راحة فلا يجد" ويتابع قائلاً:
"فيقول حينئذ أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي فيجده فارغاً مكنوساً
مزيّناً، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح آخرين شرّ منه، فيأتون ويسكنون هناك،
فتكون أواخر ذلك الإنسان شرّاً من أوائله. هكذا يكون لهذا الجليل الشرّير".
وقد أراد السيد المسيح بهذا المثل الصغير أن يحذّر من التراخي مع الذات، وأن يوصي
بوجوب اليقظة الدائمة، والحذر المستمرّ. ذلك أن المؤمن هو في صراع دائم مع قوى
الشرّ التي يجدها في داخله، قبل أن يجدها حوله أو بقربه. إن بولس الرسول يقول:
"إن ما أريده من الخير لا أعمله، بل ما لا أريده من الشر أعمله" (روم
19:7) وقد أراد أن يقول بذلك أن هناك في داخله غرائز، وأهواء، وميولاً شريرة يجب قمعها
والسيطرة عليها لئلا تقود صاحبها إلى ارتكاب ما لا يريد من الخطايا والقبائح. وهذا
ما فعله القديس شربل فأصبح قديساً.
5- لقد
سلك القديس شربل الطريق الضيّق الذي أشار إليه السيد المسيح بقوله: "ادخلوا
من الباب الضيّق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدّي الى الهلاك والداخلون
فيه كثيرون. ما أضيق الباب وأحرج الطريق الذي يؤدّي إلى الحياة، وقليلون الذين
يجدونه" (متى 14:7). عاش القديس شربل وهو يطبّق على ذاته هذا المبدأ الذي
أعطاناه السيد المسيح. فاعتزل الدنيا، وعاش سنوات طويلة في المحبسة. وكان يقضي
الساعات الطوال في الكنيسة ساجداً أمام القربان المقدّس. وحرم نفسه أطايب المآكل
والمشارب، فكان يحرث كرماً ولا يأكل من عنبه، وينام قليلاً، وإذا فعل اتخذ مخدة له
قطعة حطب من جذع شجرة، ولم يعد يقيم أية علاقة مع أقرب الناس إليه عملاً بقول
السيد المسيح: "من أحبّ أباً أو أمّاً أكثر مني فلن يستحقني، ومن أحبّ ابناً
أو ابنتا أكثر مني فلن يستحقني، ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فلن يستحقني. ومن وجد
نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي يجدها" (متى 10: 26 - 29). ولكنه كان
يعلم في الوقت ذاته أن محبة الله لا تصحّ إلاّ إذا قادت إلى محبة القريب. ومن
أدّعى أنه يحب الله ولا يحب قريبه كان كاذباً (1 يو 4: 20)، يقول القديس يوحنا.
لذلك كان القديس شربل يستقبل الذين يفدون إليه ليطلبوا منه بركة أو صلاة أو شفاء
من مرض. وغالباً ما كان يلبي طلباً لعيادة مريض يلحّ ذووه عليه للهاب لرؤيته في
بيته والصلاة عليه ليشفى، وقد جاء في سيرة حياته انه غالباً ما كان ينال للمريض
نعمة الشفاء.
6- هذا
موجز لسيرة حياة القديس شربل الذي اخترتموه شفيعاً لكم. وليس باستطاعة كل الناس أن
يعيشوا على مثاله، ولا يطلب منهم أن يعتنقوا الحياة الرهبانية ليسلكوا طريق
القداسة. إنما عليهم جميعاً، إذا أرادوا أن يسلكوا طريق القداسة أن يمارسوا الوصية
المزدوجة التي اختصر بها السيد المسيح كل الوصايا بقوله لأحد العلماء الذي جاء
يسأله عن أكبر الوصايا فقال: "أحب الرب إلهك من كلّ قلبك، وكل نفسك، وكل
ذهنك. هذه هي الوصية العظمى والأولى، والثانية التي تشبهها أحب قريبك كنفسك".
بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء" (متى 22: 38).
7- وحتى
هاتان الوصيتان لا يقوى المؤمن على المحافظة عليهما إلاّ إذا سأل الله أن يؤتيه
القوّة على ذلك، بالصلاة والتقشّفات والاماتات التي لا بدّ لكل مؤمن من أن يمارسها
ليطلق ذهنية العالم ويتبنّى ذهنية الإنجيل. وقد حضّ على ذلك الإرشاد الرسولي الذي
سلمّنا إياه قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني يوم زار لبنان في العام
الفائت فشدّد على وجوب تغيير الذهنية (عد 9). ونبّه إلى "أن هناك نمط حياة
متساهلاً يفسد الأخلاق تدريجياً، على ما يبدو، ولا سيّما عبر وسائل الاتصال
الاجتماعي، وبواسطة أشخاص ابتعدوا منذ زمن طويل عن مرجعياتهم الثقافية، مّما عطّل
حسّهم الأدبي والروحي، ومثل هذا التطوّر يبعث القلق في نفوس شخصيات كثيرة، مسيحية واسلامية" (عد 15).
8- وانّا
إذ نكرر لكم شكرنا نسأل الله بشفاعة السيدة العذراء والقديس شربل أن يؤتيكم أن
تقتدوا ببعض من فضائل هذا القديس، وخاصة في محبة الله والقريب، وأن تعيشوا في راحة
ضمير وطمأنينة بال، وأن يشملكم برضاه وبركاته إلى أطول الأعمار.