CPC
![]()
19 - 25 تشرين الأول (أكتوبر) 1997
اخوتي الأجلاّء،
أصحاب الغبطة بطاركة الكنيسة الكاثوليكية
في شرقنا العربي،
سعادة السفير البابوي،
السادة الأساقفة والآباء الكهنة،
الأبناء شعب الكنيسة،
إنّه لمن دواعي
البهجة والاعتزاز أن نستقبلكم ونرحّب بكم في وطنكم الثاني مصر، قلب الأمة العربية.
وأن يعقد هذا اللقاء البطريركي السابع في مدينة الإسكندرية، المقرّ التاريخي
للكرسي الإسكندري، عاصمة الحضارة ومركز المدارس اللاهوتية، خلال العصور المسيحية
الأولى. إنّها المدينة التي أنصتت إلى كلمات مرقس الرسول، وتنصّرت على يديه، ومنها
سرى إلى كلّ أنحاء مصر نور الإنجيل، وتقدّست المدينة بدم القديس مرقس الشهيد فكانت
المدينة التي أُسِّسَ فيها الكرسي الإسكندري المرقسي.
وإذ نرحبّ بأصحاب الغبطة البطاركة الأجلاّء
وصحبهم، نرى أن لقاء مجلس البطاركة حول موضوع هذا المؤتمر، هو لقاء حيويّ يمسّ
صميم التعاليم المسيحية ورسالة الكنيسة في مسيرتها على الأرض وهو موضوع
"الأخلاق المسيحية".
إننا في نهاية
القرن العشرين وعلى عتبة الألف الثالث لتحقيق سرّي التجسّد والفداء، نشهد تبدّلاً
خطيرًا في مفهوم القيم التي تسود حياة البشر، لقد غيّر العلمُ نمط معيشة الشعوب،
وغمرت الحياةَ الإنسانيةَ حضارةٌ جديدة، لم يتوقّف العقل البشري منذ عصر النهضة في
القرن الخامس عشر الميلادي وحتى اليوم عن اكتشاف أسرار الطبيعة وخفايا الوجود
والكون. هذا العقل منحهُ الخالق، قَبَسًا من نوره وحكمته، يقود المسيرة البشرية
إلى عالم أفضل. لقد انتشرت الحرية في بلاد كثيرة، واشتدّت الدعوة إلى المساواة بين
البشر، وتقاربت الأمم وتشابكت مصالحها، وبدا كأنّ الكرة الأرضية مدينة كبيرة، سقطت
حواجزُ كثيرة بين الشعوب. وبالرغم من الجهد الرائع الذي تبذله الحكومات في طريق
التنمية في العالم الثالث فإنّ تيّار المجتمع الاستهلاكي غمر العالمَ كلّه بفيضٍ
متدفّق من وسائل الترف والرفاهية ومن ثمّ عمَّق الإحساس بالحرمان والظلم عند غير
القادرين كما أنه دفع الإنسان إلى بذل طاقاته إلى حدّ الوقوع في فخّ السعي وراء
ترف أو رفاهية ليست بالضرورة من الحاجات الأساسية لحياة الإنسان. ذلك كلّه أثّر
بقوة في مفهوم الأخلاق، وفي معنى حياة الأسرة وسرّ الزواج المسيحي وفي علاقة
الإنسان بأخيه الإنسان، وفي النظرة إلى كرامة المرأة، وقيمة الطفل وسموّ قيمة
الحياة، وبدا كأن قِيَمًا مادية جديدة تحاول أن تزحزح القيم الروحية المثالية، كما
أنّ أخلاق حضارة المتعة، والمكسب السريع، بدت بديلاً لحضارة المحبة والفداء التي
انطلقت بها المسيحية من روح مؤسّسها الإلهي ومن كلماته الإنجيلية.
لقد تسلمت الكنيسة
من مؤسَّسها الكلمة »الإلهي« المتجسّد رسالة الخلاص، وانتشر نور الإنجيل في أنحاء
الأرض، وبدت حضارة المحبة تنشر قِيَمًا جديدة، وجذورها سرّ التجسّد وسرّ الفداء
لمن "أخلى ذاته، آخذًا صورة إنسان".
زرعت المسيحية
أخلاقًا جديدة، وأكّدت على المعنى الإلهي للمسيرة البشرية، وكشفت عن الأبعاد
الأصيلة للحياة، وانطلقت من قيامة الفادي لتزرع قيمة الرجاء والألم، وأعلنت الجسد
هيكلاً لله، ونادت بالدعوة لحياة المختارين للتكريس واستمرارية الفداء، ودعت
الإنسان ابنًا لله، أخًا للمسيح، شريكًا في ميراث ملكوت السموات، ودافعت عن حقّ
الحياة لكلّ إنسان، ولم تَزَلْ تؤدّي رسالتها نورًا للعالم، تحامي عن المظلومين
والفقراء والمعوقين والمنبوذين، وتتمسّك بقيم العدل والحرية والإخاء بين البشر.
من أجل القيم
المسيحية نلتقي، ونتدارس، لنحمل معًا الى عالمنا العربي والى العالم كلّه رسالة
الأخلاق المسيحية. إنّها قضية الإنسانية في نهاية هذا القرن، وحضارة العصر بكلّ ما
أتت به من علم رائع، وتقدّم مادي إيجابي أتاحت لشعوب كثيرة أن تفيد منها في مجالات
التنمية والترقّي. إلاّ أن هذه الحضارة في حاجة ملحة إلى الأخلاق المسيحية، لتُشيع
فيها روح التجسّد وروح الفداء، لتعطيها معنىً إلهياً فلا يتحوّل العلم إلى صنم،
ولا تصبح المادة القيمة العظمى، ولتصون كرامة سرّ الزواج لتظلّ الأسرة هي الخلية
الأساس في بناء المجتمع الإنساني، وتعطي لكلّ إنسان معناه الإلهي والروحي كما أراد
الخالق، ولتدافع عن حياته التي يتهدّدها خطر من خلال تجارب الهندسة الوراثية إن لم
يكن الخُلُقُ المسيحي هو إطار التجارب العلمية.
إنّ لقاءنا الهام
في مدينة الإسكندرية ينبغي أن يكشف عن أهم ملامح الأخلاق المسيحية التي يحتاج
إليها عصرنا، وحضارتنا، كما أرادها المسيح الفادي المخلّص، وكما حملت مسؤوليتها
كنيسته المقدّسة، وأعلنتها الرسائلُ البابوية المتتالية. بل إني أرغب في أن يكون
الاحتفال ببدء الألف الثالث لميلاد المسيح تأكيدًا على تمسّكنا بالأخلاق المسيحية.
إنّ العالم اليوم،
وغدًا، في حاجة إلى قيمة المحبة التي هي جوهر تعاليم المسيحية والى قيمة الأمانة
للشريعة الإلهية التي إذا جُرحت في وصية جُرحت بقية الوصايا، والى قيمة الرجاء،
الذي يُعطي لكل دروب التضحية والتكريس والعطاء المعنى الإلهي الحقيقي، كاستمرار
لفداء المسيح والشهداء والقديسين. وقيمة الرجاء ترتكز على إيماننا بقيامة المسيح،
حجر الزاوية في العقيدة المسيحية، وإطار أخلاقها ومنهجها. إنّ العالم اليوم، في
أشدّ الحاجة إلى أخلاق المسيح، وإنّ حضارة العصر إن لم تتّحد بحضارة المحبة التي
زرعها المسيح لن تُعطي للعالم أمنًا وسلامًا وعدلاً.
أُكرّر الترحيب
بأصحاب الغبطة الأجلاّء ونشكر لكم مجيئكم إلى مصر والى بطريركيتنا في الإسكندرية
ونشكر كلّ من يسهم بجهد أو بعلم في إنجاح مؤتمرنا، ونيابةً عن هذا المؤتمر أرفع
الشكر الجزيل لقداسة الحبر الأعظم على الجهد الرائع الذي يبذله دفاعًا عن القيم
الأخلاقية المسيحية في كلّ رسائله وتعليمه، ونَعِده بأننا سنواصل الرسالة في وطننا
العربي، دفاعًا عن القِيَم الروحية التي يحتاج إليها عالمنا، متّحدين بكلّ
المؤمنين بالأخلاق السامية في بلادنا، مسيحيين ومسلمين داعين الله أن يحفظ أوطاننا
في السلام وبناء الخير وأن يقوّي كلّ من يعمل جاهدًا على زرع القِيَم الروحية التي
هي وحدَها تُعطي للإنسان كرامته وقيمته.
كما لا يفوتني أن
أرفع الشكر للسيّد رئيس جمهورية مصر العربية الرئيس حسني مبارك الذي يسعى دومًا
وبلا كَلل للدفاع عن القِيَم السامية وبخاصة قيمة السلام والعدل والحرية، كما أنه
يعمل بكلّ جهده لتنمية مصر وبناء مستقبلها حفظه الله.
والمجدُ لله دائمًا.