حـديـث الأحـد

 
سنة على زيارة قداسة البابا

 

قبل سنة مثل هذه الأيام، كنا في قمة الاستعدادات لزيارة قداسة البابا للأرض المقدسة. وقد مرت الزيارة بسلام، والحمد لله. لأنها لو لم تحدث في سنة اليوبيل الكبير لكانت مستحيلة في مثل هذه الظروف التي نعيشها. وقد مرت سنة على هذا الحدث التاريخي المميز وكأنها لمحة بصر وكثير من الألم. ونحن ننظر إلى الوراء وكأننا في حلم، إذ كيف كنا السنة الماضية وأين صرنا الآن؟! والأسئلة الكثير تتزاحم في رؤوسنا: ماذا استفدنا من الزيارة؟ ماذا جنينا من ثمار للفلسطينيين وللمسيحيين نحن الذين كنا نعقد على الزيارة آمالاً عريضة؟ ما هو موقف البابا الآن وماذا سيقول لنا لو عاد من جديد؟

 

اسمحوا لي "بجرد حسابات" دقيق وموضوعي من باب الأمانة العلمية والتاريخية كي لا تكون هذه الزيارة لحظة تاريخية عابرة بل تصبح عبرة تاريخية. فالحكيم هو الذي يقرأ "علامات الأزمنة" ويعيش في التاريخ وليس على هامشه، "فالتاريخ معلم الحياة" كما يقال، وزيارة البابا للأرض المقدسة لا يمكن أن توصف بأقل من "تاريخية". نريد أن نتذكر لنفكر ونعتبر.

 

لا شك أن قداسة البابا ترك لنا رسالة جميلة ومعبرة، فقد مر على أرضنا طيفاً لطيف الظل وكأنه حمامة سلام رفرفت فوق جباهنا المثقلة بالهموم وأحلامنا التي تتوق للعدل والسلام. لقد ألقى رسالته لشعوب المنطقة الأردنيين والفلسطينيين والإسرائيليين، وللأديان الثلاث التي تتعايش معاً في الأرض المقدسة: المسيحيين والمسلمين واليهود.

ففي الأردن قال: "إن هذه المنطقة من العالم تتطلع إلى العدالة واحترام حقوق الشعوب والدول، ويجب أن تجد جميع مشاكلها حلاً عادلاً يحفظ حقوق جميع الأطراف لكي يكون الحل العادل ضمانة للسلام الدائم، فلا بد من متابعة مسيرة السلام مهما كان من أمر الصعاب والعقبات وطول الزمن. بدون سلام، لا يمكن أن يتوفر نمو اقتصادي أصيل لهذه المنطقة، ولن يتحقق حلم الحياة السعيدة لها، ولن يتحقق حلم المستقبل المشرق لأطفالها. إن الأردن أعطى البرهان على التزامه بتأمين الشروط الضر وروية للسلام، وهذا أمر مهم جداً وجدير بالثناء" أليست هذه الكلمات المعبرة تلخيص لحالة المنطقة برمته والأردن على الخصوص؟

 

أما للفلسطينيين، فكانت رسالته قوية عبر عنها أمام الرئيس عرفات حيث صلى "أن تصبح هبة السلام الإلهية أكثر فأكثر أمراً واقعاً في حياة كل الذين يعيشون في هذه الأرض التي ميزها الله بعجائبه. سلام للشعب الفلسطيني وسلام لجميع شعوب المنطقة. لا أحد يقدر أن يجهل كم هي المعاناة والآلام التي فرضت على الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة. إن العالم كله يرى معاناتكم، وقد طال بها الأمر كثيراً" وقد أنهى خطابه أمام السيد الرئيس بهذا الوعد "اليوم ودائماً، الشعب الفلسطيني هو حاضر في صلاتي التي أرفعها إلى الإله الواحد الذي يمسك بمقاليد الكون في يديه. ليضيء الإله العلي بنوره على الشعب الفلسطيني وليؤيده وليهده في طريق السلام". سمع الله دعواتك وصلواتك يا صاحب القداسة!

وكانت رسالته البليغة للعالم من مخيم الدهيشة حيث أراد تحويل أنظار العالم إلى وضع اللاجئين المستمر ومعاناتهم المرير التي طالت ويجب أن تنتهي "من غير تأجيل أو تأخير وبطرق عملية ملموسة". وقد وعد أيضاً "سوف تبقى الكنيسة واقفة إلى جانبكم بمؤسساتها الاجتماعية وبمحبتها، وستستمر في الدفاع عن قضيتكم أمام العالم". لا فض فوك أيها الحبر الجليل يا صاحب القوة الروحية والمصداقية الأخلاقية العالمية على مليار من البشر.

 

أما رسالته القوية للمسيحيين في الأرض المقدسة فتتلخص في جملة واحدة قالها في بيت لحم التي كانت قلب زيارته اليوبيلية وحيث كل يوم هو عيد ميلاد: "اليوم من ساحة المهد نهتف لكل مكان وزمان ولكل إنسان: "السلام معك، لا تخف"... وهي كلمات الكنيسة لكم اليوم. لا تخافوا أن تحافظوا على وجودكم وتراثكم المسيحي في المكان نفسه الذي ولد فيه المخلص". أعتقد أن هذه الجملة هي وصية الراعي للرعية وما زالت حالية جديدة متجددة خاصة في هذه الأيام العصيبة، لذلك علينا أن نعلن "حربأً على الهجرة" ونوجه "دعوة للعودة" ونطلق صرخة "الانتماء والصمود" والانزراع في أرض الآباء والجدود.

وقال قداسته بالأمس للأساقفة المجتمعين في روما: "أشجع المسيحيين بشدة على التحلي بالثقة بالنفس وأن يبقوا متمسكين بأرضهم والتي هي أيضاً أرض الآباء والجدود. وأقول لهم من جديد وبقوة الكلمات التي قلتها في بيت لحم. فإن بقاء المسيحيين في القدس وحول الأماكن المقدسة المسيحية أمر شديد الأهمية، لأن الكنيسة لا يمكنها أن تنسى جذورها. عليها أن تشهد لحيوية وخصب الرسالة الإنجيلية على أرض الوحي والفداء".

 

لم يكن البابا لوحده، فقد حمل معه وفي قلبه كل الكنيسة الجامعة، كما أن أبناء الكنيسة رافقوه في حجته وصلاته، بالإضافة إلى عيون الملايين الذين شاهدوه عبر وسائل الإعلام.. ولكن بالخصوص لقد رافقه أبناء الأرض المقدسة بأجمعهم، المسلمين واليهود، وخصوصاً المسيحيين على اختلاف كنائسهم. فإن البابا لم يرد فقط أن يزور الأماكن المقدسة (الحجارة الميتة) بل جميع الساكنين حولها (الحجارة الحية) بشعوبها ودياناتها... ومن هنا يمكن أن نقول بأنه "زار الحجر والبشر". ومن الجدير بالذكر أن هذا اللقاء كان حميماً، من حيث الاستقبال الرسمي والشعبي، من حيث التحضيرات الكنسية والليتورجية، ومن حيث اللقاءات الفردية.. وهنا أيضاً، برهن البابا بأنه ليس فقط رئيس دولة ورجل سياسة بل أنه إنسان يحمل معه كل البشرية وهمومها.. لذلك نظر له الجميع بعين الأمل واستبشروا من زيارته كلمة عدل وسلام وتشجيع. لقد أثر في الجميع لشجاعته وإنسانيته وصدقه: فلم يخفِ مشاعره وتضامنه مع هموم وآمال المنطقة وشعوبها، لذلك فإنه تعاطف مع الجميع: تضامن مع الفلسطينيين في بيت لحم وخصوصاً في الدهيشة، وشارك اليهود ذكرى الهولكست في ياد فاشيم. لقد مدّ يده للجميع: لرئيس الدولة، رئيس الوزراء، للرئيس عرفات، وللحاخمين الأكبرين، وصافح الشيخ عكرمة صبري وعانق البطريرك ذيوذورس المرحوم.. إنه رجل المصالحة والسلام.. ومن هنا فقط يمكن أن نفهم معاني كل هذه اللقاءات وبخاصة اللقاء المسكوني واللقاء بين الأديان.. كان يريد أن يفتح الأبواب على مصرعيها لحوار جدي وبناء مع الكنائس الأخرى والديانات الأخرى دون خوف أو وجل لأنه يرى بأن الديانات، وعلى الخصوص في القدس، يجب أن تكون نموذجاً يحتذى للتعايش ومثالاً للمحبة ورمزاً للسلام. عندها فقط "ستكون القدس مدينة السلام للجميع" هكذا قال. والسؤال لماذا أبواب الحوار ما زالت موصدة؟ ويا ليت أن يتحقق ما قاله عن القدس؟! فهذا هو مفتاح الحل الوحيد إذا أردنا أن تصبح القدس عاصمة روحية عالمية "مدينة الله حقاً ومدينة الإنسان وكل إنسان".

هل من ثمار؟!

لا شك في أن مثل هذه الحجة الروحية التاريخية حملت وستحمل ثماراً غزيرة، قد يصعب استجلاؤها سريعاً ولكن الزمن كفيل بذلك. فهذه الزيارة كالنبتة الصغيرة بحاجة إلى وقت لكي تنمو وتكبر، وبحاجة إلى عناية ومتابعة لكي تبقى على قيد الحياة، فإن قلنا بأن زيارة بولس السادس عام 64 ما زالت تعطي ثمارها بخاصة في الحقل المسكوني، فإننا لا نستبعد بأن تعطي هذه الزيارة ثمارها خلال الشهور القادمة إن لم نقل السنوات القادمة. ومن هنا نقول بأن علينا أن نتحلى بصبر الفلاحين الذين يبذرون البذار في الأرض ويغرسون غراس الأشجار ويعيشون على الأمل ويغذونه بالتعب حتى يصلوا إلى فرح الحصاد والقطاف.

 

للوهلة الأولى يبدو أننا لم نستفد شيئاً من الزيارة ولم تحمل ثماراً. أتراها زيارة عابرة عقيمة؟! أم أننا لم نعرف أن نستغلها ونستفيد منها أو بالأحرى نتابعها على الصعيد الوطني والكنسي؟

من جهته، فإن قداسة البابا ما زال معنا في فكره وصلواته،إذ أنه بعد اندلاع الانتفاضة سارع بإرسال رسالة خاصة لغبطة البطريرك ميشيل صباح كونه رئيس مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة حيث قال "أن المعاناة التي تعيشونها في الأرض المقدسة هي لي مصدر ألم كبير وأود أن أعبر لكل واحد منكم عن تضامني وشعوري معكم جميعاً" وقال أيضاً "إني أذكر زيارتي إليكم فبل أشهر، وأفكر ببالغ الأثر في كل الأماكن التي ما زالت تنطق بتاريخ الله مع الإنسان، وكلها نداء للتعاون، حتى لا يعود العنف أبداً، ولا تعود البغضاء ولا المظنة والمخاوف تشوه وجه هذه الأرض المباركة".

 كما أنه استقبل البطريرك صباح في حاضرة الفاتيكان حيث ترأس صلاة خاصة لأجل السلام في ساحة القديس بطرس 31/10/2000. كما أنه أوفد الكاردينال روجيه اتشيجاراي ليرأس صلاة اليوم العالمي للسلام في مطلع العام الجديد واختتام سنة اليوبيل الكبير حيث ألقى كلمات باسم قداسة البابا أكد فيها على حقوق الشعب الفلسطيني ودعى إلى السلام المؤسس على العدل. كما أنه أوفد قبل ثلاث أسابيع الكاردينال فرنسيس أرينزيه المسؤول عن مجمع الحوار مع الأديان وفد ألقى محاضرتين في القدس وفي بيت لحم عن علاقة الكنيسة بالديانة الإسلامية والتقى بسماحة المفتي والكثير من المؤسسات المهتمة بالحوار وذلك من باب متابعة ودفع الحوار بين المسيحية والإسلام. كما أنه أوفد قبل إسبوع الكاردينال ادوار كاسيدي المسؤول عن مجمع الحوار بين المسيحيين والعلاقة مع اليهود وقد ألقى محاضرتين وذلك لتعزيز الحوار المسكوني من جهة ومتابعة الحوار القائم بين الكنيسة الكاثوليكية واليهودية من جهة أخرى. 

ويظهر بأن هذه الزيارة تركت أثراً بالغاً وبليغاً في نفس البابا لدرجة أنه اعتبرها أهم حدث في سنة اليوبيل، وقد ذكر هذا في رسالته الرسولية المسماه "الداخلون في الألفية الثالثة" المنشورة في السادس من كانون الثاني والتي استذكر فيها أحداث سنة اليوبيل: "لقد لقيت استقبالاً حاراً ليس فقط من أفراد الكنيسة بل أيضاً من الفلسطينيين والإسرائيليين. لقد كانت زيارة الحج لحظة أخوة وسلام، وأحب أن أتذكرها كأجمل هبة وأروع نعمة في سنة اليوبيل. وأذ أعود بفكري إلى أجواء تلك الأيام، فإني لا يمكن إلا أن أعبر عن عميق رغبتي بحل عاجل وعادل ودائم للوضع الصعب الذي ينتظر حلاً في الأماكن المقدسة التي يحيطها بالإكرام كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين".

وأخيراً، إلتقى قداسة البابا بالأمس بجميع أساقفة اللاتين في الدول العربية وعلى رأسهم غبطة البطريرك ميشيل صباح، الذين كانوا في زيارة "للأعتاب الرسولية". وهذه هي زيارة تقليدية تجري كل خمس سنوات تعبر عن الشركة بين الكنيسة الكاثوليكية العالمية والكنائس المحلية، حيث يلتقي الأساقفة بالمسؤولين في الدوائر الرومانية في حاضرة الفاتيكان وعلى رأسهم قداسة البابا الذي يقيم معهم قداساً خاصاً ويدعوهم لمأدبة غداء ويتم تبادل الخطابات. وبطبيعة الحال ستكون للأوضاع الصعبة التي نعيشها في الأرض المقدسة "حصة الأسد" في هذه اللقاءات. وقد تكلل بالخطاب التاريخي الذي ألقاه قداسته وجاء شاملاً كاملاً يعالج جميع نواحي الحياة الكنسية والاجتماعية والتعليمية والسياسية أيضاً، نقتطف منه هذه الفقرة الرائعة: "أعرف جيداً بالصعوبات الجسيمة التي تعاني منها منطقتكم. وأود بالخصوص أن أؤكد لكم عن قربي ومشاعري تجاه الذين يتألمون ويقعون ضحايا العنف. معكم تتألم وتشعر الكنيسة على أمل أن تستطيعوا عاجلاً التنعم بالرغبة الوحيدة التي تعمر قلوبكم والتي لا غنى للجميع عنها: السلام! يجب أن تكون الأرض المقدسة أرض السلام والأخوة. هذا ما يريده الله. إن الأحداث التي تدور رحاها في الأرض المقدسة في هذه الأيام مقلقة وتضع الأمل بالسلام على المحك. آمل أن ترجع الأطراف سريعاً إلى طاولة المفاوضات، واضعين في محور اهتمامهم احترام كرامة الإنسان، الذي له الحق في أرضه على العيش بسلام وحرية وآمان. إن هذا لن يتحقق إلا باحترام الشرعية الدولية وبنبذ العنف الذي لا يقود إلا إلى المزيد من البغض ومشاعر الكراهية، ويؤدي إلى التناحر بين الأشخاص والجماعات. وفي هذه الظروف، من الضروري الدعوة إلى الحوار واللقاء، إلى المحبة التي يجب أن يحملها كل إنسان في قلبه لأخوته كل البشر، واتخاذ كافة السبل المتاحة للتوصل إلى سلام عادل ودائم. إن شعلة هذا الأمل بالسلام يجب أن لا تطفأ بتجربة الإحباط وفقدان الهمة على مواصلة المسيرة". هذه هي آخر كلمات البابا في هذا المجال، وهي كلمات واضحة صريحة كما ترون. 

 

أعتقد بأن الوقت ليس متأخراً لإعادة قراءة زيارة البابا للأرض المقدسة لاستخلاص العبر. فخير لنا الإصغاء لذاك الصوت النبوي الذي يرجع صدى صوت المعلم الجليلي الداعي: "طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون" وصوت القائم المنتصر على الموت "لا تخافوا" هذه هي رسالة قداسة البابا لنا ولأرضنا اليوم وإلى الأبد.

 

                                                                                    الأب رائــد عوض أبو ساحلية