حديث الأحد

 
       كيف نستفيد من وفود التضامن وماذا نقول لهم؟

 

توافدت علينا في الأسبوع المنصرم وفود عديدة من جميع أنحاء العالم للتضامن مع ألام شعبنا وإحياء آماله في مستقبل أفضل والشد من أزره في محنته الحالية وإعراب الدعم له في مطالبه العادلة. فعلى الصعيد الكنسي على سبيل المثال لا الحصر مر علينا وفد من الكنيسة اللوثرية الدنماركية، ووفد من حركة سلام المسيح الدولية والتي مقرها في بروكسل ويرأسها حالياً غبطة البطريرك ميشيل صباح، ووفود عديدة مكونة من أكثر من 300 شخص من حوالي 20 دولة شاركوا في مؤتمر السبيل السنوي الذي انعقد هذه الأيام تحت شعار "قول الحقيقة والبحث عن العدالة" وكان أكبر تجمع تشهده المنطقة يحشد كل هذا العدد من المناصرين لقضية شعبنا العادلة. كما أن هناك حالياً وفد آخر من جمعية الشبان المسيحية يمثلون أكثر من 15 دولة.

 

وإذ نشكر لهم هذه اللفتة الكريمة فإننا نهنيء المنظمين لهذه اللقاءات على الجهود الجبارة من أجل إعلام العالم وإظهار صوت الحق، كما أننا نؤكد على أهمية استمرار الترحيب بمثل هذه الوفود لا بل ندعو السلطات المعنية لوضع خطة مدروسة لاستقطاب جميع المهتمين من الصحفيين، ومؤسسات حقوق الإنسان والمتابعين للشؤون الاقتصادية، ووكالات السياحة والسفر والمرشدين السياحيين، لكي يأتوا ويروا بأم أعينهم ما يحدث على أرض الواقع، فأنا متأكد بأن ثمار هذه الجهود ستشكل نقلة نوعية في توعية العالم وقلب الرأي العام العالمي رأساً على عقب لصالح قضية شعبنا وذلك للأسباب الوجيهة التالية:

-         إن معركتنا ليست فقط على طاولة المفاوضات وساحات المواجهة والجهود الدبلوماسية ولكن أيضاً هي معركة إعلامية لفتح العيان العمياء والآذان الصماء وتحريك القلوب المتحجرة، فمثل هذه الزيارات الميدانية تكسب لنا الأصدقاء كما أنها تحمل لنا الدعم والعزاء وتشعرنا بأننا لسنا لوحدنا في ساحة المعركة بل لنا أخوة وأخوات في العالم يشعرون معنا ويدافعون عن حقوقنا ويرفعون أصواتهم أمام حكوماتهم وشعوبهم لنصرتنا.

-         إن جهل العالم بتفاصيل معاناتنا وعظم الظلم الواقع علينا سببه ليس شعوب العالم بل غطرسة ساسة العالم والحكومات، فالناس البسطاء في أمريكا عندما يزروننا يندهشون لدرجة الإنذهال ويقول ببساطة "لم نكن نعلم" إذ أن الإعلام اليهودي القوي والموجه أعمى بصائرهم وأقفل على عقولهم، فالذنب ليس ذنبهم بل ذنبنا، فلا نلومنهم بل نلومن أنفسنا لأننا تأخرنا في دخول هذا الميدان الذي سبقنا فيه العدو أشواطاً كبيرة. لذلك فإن ثورة الاتصالات وعالم المعلومات والانترنت يسهل علينا غزو العالم وقصف عقله وجذبه ليرى ويعي ويستيقظ من سباته الطويل، فلا يوجد أي مخلوق على وجه الأرض لا يتحرك قلبه عندما يرى الظلم بأم عينيه.

-         إن كل من يزورنا يصبح سفيراً لقضيتنا ورسولا لها في مجتمعه ووسائل إعلامه ويجذب آخرين غيره للتضامن معنا، لا بل يصبح شريكاً لنا في المعركة عن طريق الدعم والتأييد والضغط والإعلام.

-         كما أن العالم المسيحي بالذات سواء الأوروبي والأمريكي معني بما يحدث في الأرض المقدسة بسبب الأماكن المقدسة من جهة وبسبب الجماعة المسيحية التي تعيش حولها وتزينها. فإن مثل هذه الزيارات كثيراً ما تكون اكتشافاً حقيقياً بأن هناك مسيحيين عرب وفلسطينيين بنفس الوقت. فعندما نقول لهم بأننا نشارك هذا الشعب نفس الهموم والآلام والآمال يتشجعون أكثر ويشعرون بالمسؤولية تجاه بقاء واستمرار الحضور المسيحي، وبذلك نلعب دور الجسر بين الشرق والغرب والعالم العربي والمسيحي.

-         لا شك بأن الدعم المعنوي والسياسي هو أهم الإنجازات التي يمكن أن نحققها من مثل هذه الزيارات ولكننا بحاجة إلى الدعم المادي أيضاً في الظروف الاقتصادية الخانقة لاستمرار كل المؤسسات الدينية والاجتماعية، التعليمية والصحية المهددة بالإغلاق خاصة مع ازدياد الطلب عليها وشبه انعدام الدخل منها لدرجة الإفلاس. إننا نفرض عليهم لا بل نطالبهم بتحمل مسؤوليتهم الإنسانية والأخوية لمد يد العون لنا بدعم هذه المؤسسات القائمة من جهة ولكن أيضاً بإنشاء المشاريع الإنمائية الضرورية للبنية التحتية والاقتصادية مثل مشاريع الإسكان وإعادة تأهيل القرى والمدن وإصلاح الأضرار اللاحقة بالبيوت التي تعرضت للقصف أو الأراضي التي اقتلعت أشجارها ودمرت مزروعاتها. وبالفعل فهناك اتجاه إلى العديد من مشاريع الشراكة والتوأمة بين المدن والقرى والمؤسسات والكنائس. وهذا إنجاز رائع لا يستهان.

 

وعندما نلتقي مع مثل هذه الوفود يسألوننا ماذا تريدون منا؟ ماذا نستطيع أن نعمل لكم؟

بالإضافة إلى ما ورد سابقاً نقول لهم بأننا نشكرهم على حضورهم وتضامنهم ونطلب منهم أن يترجموا هذا الحضور عملياً لكي لا يكون مضيعة لوقتهم ووقتنا، وهاكم بعض ما نقوله لهم:

-         أن يضغطوا على حكوماتهم لاتخاذ موقف واضح من قضية شعبنا العادلة، والضغط على الأمم المتحدة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية وإجبار إسرائيل على الإذعان لها وعدم الخوف أمام تهديدات إسرائيل بنعتهم باللاسامية كالعادة كلما فتحوا أفواههم بكلمة حق.

-         نقول لهم بأن يكونوا شهوداً للحق في مجتمعهم ويساعدوننا على إحقاق العدل والسلام في هذه المنطقة لأن الأرض المقدسة ليست لنا فقط بل هي إرث إنساني وديني وحضاري وثقافي  لكل البشرية وخاصة الديانات التي ولدت كلها هنا "فكل مسيحي ولد في القدس وفيها توجد جذوره".

-         نقول لهم بأن يقوموا بحملات توعية ودعاية في كنائسهم ويطالبوا رؤساءهم الروحيين باتخاذ المواقف الواضحة والصريحة. بالإضافة إلى الصلاة الضرورية نطالبهم بأن لا ينسوا بأن لهم في الأرض المقدسة أخو في الإيمان يتألمون وإخوة في الإنسانية يعانون أشد المعاناة من هذا الإحتلال البغيض. وأن يتحملوا المسؤولية الأخلاقية بإنهاء آخر احتلال دموي في العالم وفي التاريخ المعاصر.

-         ونقول لهم بأن يأتوا لزيارتنا ويعودوا للحج في الأماكن المقدسى رغم الظروف الصعبة لأننا بحاجة لحضورهم ودعمهم إذ أن قطاع السياحة منهار من عدة شهور ومهدد بالانهيار طوال هذا العام. نقول لهم بأنهم سيكنون في فنادق خمسة نجوم وبأرخص الأسعار، وبأننا لن نرسلهم إلى ساحة المعارك والمواجهات، وبأنهم سيزورون معظم الأماكن المقدسة دون عراقيل إلا من الحواجز العسكرية، وأن زيارتهم هي أحسن علامة تضامن مع الجماعة المسيحية الصامدة، ونقول لهم أخيراً على سبيل المزاح: وإن مات أحدكم- لا سمح الله- فسيصبح شهيداً يذهباً حالاً إلى السماء بدون واسطة. فيضحكون!

-         ونقول لهم أن قبل زيارتهم لحجارة الأماكن المقدسة الميتة، عليهم بزيارة "الحجارة الحية". ليس الحجر بل البشر، للاطلاع عن كثب على معاناتهم وآلامهم ومشاركتهم في محنتهم، فهذا له وقع حسن في قلوبهم، وإن كانت بعض البيوت مدمرة فسنستقبلكم في القلوب العامرة بالإيمان والمنتظرة على الأمل مستقبلاً أقل وإشراقة النور في نهاية الليل البهيم والنفق الظالم والمظلم.

 

نحن متيقنون بأننا لسنا وحدنا في هذه المعركة، فمعنا قوة الحق والشرعية الدولية، وإصرار هذا الشعب وإرادته الحديدية، ولكن رأينا في هذه الأيام بأننا لسنا وحدنا بل لنا اخوة من جميع أنحاء العالم، قرروا القدوم إلينا، ليس "للفرجة" بل من باب التضامن الاخوي الإنساني الإيماني العميق، وها هم يصبحون رسلاً وسفراء في بلدانهم.

والأسئلة التي أطرحها الآن: أين هو العالم العربي؟ أين هي الشعوب العربية والإسلامية؟ لماذا لا تتحرك ولا تحرك ساكناً؟ لماذا لا نطرق الأبواب إذا أردنا أن نسمع الجواب؟ إلا إذا صدق الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي! لا، أرجو أن يكون مخطئاً: فهناك على الأرض أحياء وهناك على الأرض ما يستحق الحياة!

 

                                                                                                            الأب رائد عوض أبو ساحلية