حـــديـــث الأحـــــد

 
صرخة من أجل القدس: "هيا إلى القدس"

 

 

          نرزح دائماً تحت سياسة فرض "الأمر الواقع" في كل الأمور وخاصة في مسألة القدس، إذ أننا ومنذ أكثر من سبع سنوات – وليس فقط منذ سبعة شهور عمر انتفاضة الأقصى -  نعاني من سياسة إغلاق القدس وحصارها بحيث أصبحت مفتوحة فقط لليهود والإسرائيليين والسياح والحجاج، ومغلقة في وجه أهلها الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على السواء. ولأني أرى بأننا نتلهى بالكثير من الأمور ونضيع الوقت أردت أن أصرخ صرخة جديدة من أجل القدس، قد تكون هذه المرة جنونية "فالجنون فنون" كما يقولون، فأرجو أن يتسع صدركم لجنوني وتتحملوني.

 

          أبدأ بهذه الطرفة: صعد أحد المجانين أعلى مئذنة وهدد بأن يرمي نفسه منتحراً، فتجمر الناس ورجوه بأن ينزل خوفاً على حياته فلم تنفع توسلاتهم، وهم في هذه الحالة مر بهم مجنون  آخر  فاستغرب من جمهرتهم فسألهم عن الأمر فأخبروه فقال لهم: بسيطة اتركوه عليَّ فأنا سأتدبر أمره، وطلب منهم منشاراً فأحضروه له، وإذا به يلوح للمجنون الذي فوق المئذنة مهدداً: إذا لم تنزل بسرعة فإني سأنشر المئذنة، فخاف ذلك المجنون ونزل على عجل وانحل الإشكال بسلام.

          العبرة بسيطة: لا ينفع إلا الجنون مع المجنون ولا يفيد استعمال العقل والمنطق.

         

          أما أنا فأرى أن جنون البقر قد انتقل إلى البشر(المعذرة على هذا التصريح الخطير!) وأصبح ظاهرة عالمية مع النظام العالمي الجديد، فهل يعقل أن يموت مليون طفل عراقي أمام عيون العالم ولا أحد يرفع صوته وتصر أمريكا وبريطانيا على الحصار، أليس هذا جنون؟ وبأي حق تفرض أمريكا الحصار على ليبيا والسودان؟ ولماذا يسكت الجميع عن المجازر البشعة في الجزائر ولا يعملون شيئاً؟ وهل من المعقول بأن يستمر السيد شارون وأتباعه بتحدي العالم بأسره وحتى أمريكا؟ ولماذا يتعامى المجتمع الدولي عن الانتهاكات الإسرائيلية اليومية في الأراضي الفلسطينية؟ ولماذا لا يدمرون أسلحة إسرائيل النووية كما يفعلون في العراق؟ ولماذا يصرف العرب مليارات الدولارات على الأسلحة المرمية في الصحراء يأكلها الصدى وتموت شعوبهم من الجوع؟ وضد من سيستعملونها؟ ولماذا صرفت دول الخليج مائة مليار دولار على حرب الخليج وما زالت تدفع الملايين يومياً للتواجد الأمريكي على الأراضي العربية؟ ومئات الأسئلة... التي لا أجد لها جواباً غير الجنون.

          وهنا اصل إلى السؤال الجوهري حول موضوع حديثي: لماذا يسكت العالم عن حصار القدس وإغلاقها رغم أن إسرائيل تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية العبادة؟ ألا تعرفون يا سادة يا كرام أن القدس مفتوحة لجميع البشر على الكرة الأرضية ومغلقة أمام أبنائها العرب والفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين؟ هذا بالإضافة إلى تطويقها بالمستعمرات كالسوار من جميع الجهات، وأبو غنيم ورأس العامود ليست آخر السلسلة كما يظهر من كلام شارون الأخير: "سنبني في كل مكان في منطقة القدس". أليس هذا جنون؟

          إذن، وبحسب نفس المعادلة الجنونية لنستعمل نفس الأساليب الجنونية، وسأقدم اقتراحين عمليين:

1. مع اقتراب الأعياد الفصحية المسيحية التي تصادف في هذه السنة في نفس التاريخ، أقترح  تنظيم هجوم لاعنفي لإعادة فتح القدس وفك الحصار عنها، وهاكم السيناريو: إذ يقوم جميع الفلسطينيون من جميع المناطق ومن جميع الجهات بالتوجه بأعداد ضخمة للدخول إلى المدينة المقدسة يحملون الشموع والورود ويرددون الترانيم الدينية والأناشيد الوطنية دون استعمال أي وسيلة سلاح ولا حتى الحجارة وعلى رأسهم رجال الدين المسيحيين والمسلمين البطاركة والشيوخ، كما يقوم أهالي القدس بنفس الحركة المعاكسة لاستقبالهم والانضمام إلى المسيرة، وعندما يصلون إلى المدينة القديمة يشكلون حلقة بشرية حولها ثم يذهب الجميع إلى المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة للصلاة (ألم يحرر غاندي الهند بقوة اللاعنف؟! ألم يسقط سور برلين بقوة صلاة وشموع المصلين!؟). فان حركة كهذه مع التغطية الإعلامية المطلوبة ستهز الكيان الإسرائيلي وتلفت نظر العالم إلى قضية القدس وإلى المطلب الفلسطيني الواضح: قدس مفتوحة للجميع دون حدود ولا حواجز (ولا محاسيم!). ولتتحول مثل هذه المسيرة إلى طقس أسبوعي كل يوم جمعة أو أحد كحج مقدس للمدينة المقدسة حتى ترضخ إسرائيل وتتراجع عن "الأمر الواقع" الذي فرضته بحصارها وإغلاقها وسلخها عن الجسم الفلسطيني. (ولماذا لا يكون هذا الزحف اللاعنفي على كل فلسطين بخمسين مليون عربي وخمسمائة مليون مسلم؟). أعتقد بأن دورة أحد الشعانين التقليدية التي تصادف بعد أسبوعين يمكن أن تكون نقطة انطلاق جيدة لمثل هذا الاقتراح العملي. فليتحرك الجميع نحو القدس من كل القرى والمدن الفلسطينية ومن الجليل أيضاً خاصة وأن المدينة شبه خالية من السياح والحجاج فلنملأها بحضورنا بدلاً من أن نتركها خاوية باكية حزينة "من قلة القادمين إليها في العيد"!

 

2. ومع مصادفة انعقاد القمة العربية في عمان خلال الأسبوع القادم، أقترح دعوة ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية والإسلامية لعقد مؤتمر قمتهم الاسلامية القادم في المسجد الأقصى، وهذا حق من حقوقهم في الحج إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولا تستغربوا، فالسيناريو بسيط جداً: بما أنهم ليسوا بحاجة إلى تصريح من الحاكم العسكري الإسرائيلي ولا إلى تأشيرة سفر (فيزا) من حكومة إسرائيل، فانهم يخبرون العالم بأننا ذاهبون إلى القدس وليس إلى مطار بن غوريون كما فعل المرحوم السادات ولا إلى الكنيست، بل إلى ساحة المسجد الأقصى ويعقدون قمتهم في قبة الصخرة،  ويعلنون القدس عاصمة للعالمين العربي والإسلامي، ويوقعون معاهدة سلام بين الأديان السماوية الثلاث، ويكفي بأن يركب كل واحد منهم طائرة هليكوبتر ويحط في ساحة الأقصى، وسنرى ماذا ستفعل إسرائيل وماذا سيقول العالم. وأحب أن أشجعهم على هذه الخطوة الشجاعة ببعض الأحاديث: " من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس. اليوم في بيت المقدس كألف يوم، والشهر كألف شهر، والسنة كألف سنة، وان الصلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة في غيره"،  " مدينة الله المقدسة وعين الأرض ومنارتها"... هكذا تقول ذاكرتنا الفلسطينية يا أمراء وملوك ورؤساء العالم.

 

          تقولون لي هذا جنون، وأقول لكم نعم ولكن هل بقي في العالم عقال لنستعمل معهم العقل؟ لقد استعملنا المنطق فهل نفع مع عالم مجنون المنطق؟  تقولون لي هذه أحلام، وأقول لكم من الأحلام ما يتحقق، يجب أن نحلم ونحول الحلم إلى حقيقة. تقولون لي متى سيتحقق هذا؟ وأقول لكم: من سار على الدرب وصل. فالقدس هي بمثابة الروح بالنسبة للجسم الفلسطيني والعربي لا بل العالمي، فهل يبقى في الجسد حياة إذا سلخت منه الروح!؟

           لقد حانت معركة القدس فهل نحن مستعدون لها؟

 

                                                                               الأب رائد عوض أبو ساحلية