دَولة تعلن إفلاسَها

 

           "لهم عيون، ولكنّهم لا يبصرون " !

            "لهم آذان، ولكنّهم لا يسمعون " ! (السيّد المسيح عن اليهود).

 

       هذا ما خطر ببالي وأنا أتابع قصة منع البطريرك ميشيل صباح من دخول قرية عين عريك على مقربة 3 كيلو مترات من رام الله، وكان ذاهبا اليها للصلاة مع أبنائه والالتقاء بهم. لا أريد الخوض في قضية الاختراق المتكرّر للمعاهدة القائمة بين اسرائيل والكرسي الرسولي – الفاتيكان – ولا الحديث عن إساءة التعامل مع الصفة الدبلوماسية التي يتمتع بها البطريرك – بحكم وظيفته . فخرق المعاهدات من اسرائيل بات هو الطبيعي والأستثناء الا تفعل. ولكنني أجد أن الأمر مبَطن ومستهدف نظراً إلى الحملة الشرسة التي تقودها الصحافة الأسرائيلية ضد أول بطريرك عربي منذ بداية العام 1988. وقد تبيّن ذلك مؤخرا بعد اعلان البابا أسماء 40 كاردينالا جديدا في الكنيسة الكاثوليكية. فكانت الصحافة الاسرائيلية بالمرصاد، فأعلنت في اليوم التالي: "بابا الفاتيكان لم يعلن البطريرك صباح كاردينالا". وقد غاب عن ذهن الصحافة الصهيونية أنّ لقب بطريرك يتمتّع به في الكنيسة الكاثوليكية 5 أشخاص فقط، وأنّه يبقى رفيعا وموازيا للقب كاردينال الذي يحمله حاليا أكثر من 120 شخصا في العالم. زدْ على ذلك أنّ اللقب لا يعني بالضرورة مدى تأثير الشخص على الساحتين المحليّة والعالمية. وقد جاء هذا "التشفي" من قبل الصحافة الاسرائيلية نظرا لكون البطريرك عربيا فلسطينيا، وبالتالي كانت مسرورة جذلة، رغم أنّ البطريرك وصحبه، فيما يخص هذا اللقب "لا عندهم ولا عند بالهم".

          والسبب في هذه الحملة الاسرائيلية العنيفة ضد البطريرك عائد إلى أن صوت البطريرك يدعو إلى العدالة والسلام معا، و هو الذي إختارشعاره الخدَمي: " ويكون ثمرة العدل سلاماً، ويسكن شعبي في بهاء السلام" . لكنّ الدولة الإسرائيلية لا تريد للعدل والسلام أن يقترنا، وهما أصلا ما وُجدا إلا ليعيشا توأماً سيامياً لا إنفصال للواحد عن نصفه الآخر . لكنّ الصوت الذي تريد إسرائيل أن تصرخ به وتسمعه العالم أجمع فهو السلام المهشّم و المجزأ الأطراف، تجزئتها للأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو السلام الذي لا يأبه "لبدعة " تدعى العدالة، على حدّ تفكيرهم . وعندما يعلو صوت البطريرك ليطالب بالعدالة في توزيع "شقف " السلام، وبالمساواة الموجودة ضمنا في العدل، تبادر "لوبيات" اسرائيل، المزروعة كالقنابل المروعة في كل واد ، الى محاولات يائسة لاجهاض هذا الصوت، وخنقه وتشتيته ومعاداته.

         ومنذ تولى البطريرك صباح مهامه الموكولة إليه من قداسة البابا، وجد نفسه في بداية الإنتفاضة الأولى خادماً لشعب جريح يحتاج إلى صوتٍ نبويٍّ ينادي ، كما يقول المزمور: "بالعدالة لشعبه وبالإنصاف لبائسيه". فانبرى بصوته وقلمه لا ليكتب أشعارا، وأنّما ليقاتل قتال اللاعنف ، بل "عنف المسالمين"، وصار  في كافة المحافل المدنية والدينية، محلياً وعالميا،ً يدافع عن حق المظلوم ويتبنى من لا صوت لهم أو باتت أصواتهم، كما قراهم ومدنهم وبيوتهم، مخنوقة ومحاصرة ومشلولة . وكتب إلى الآن أكثر من خمس رسائل رعوية كبيرة، بالاضافة الى العديد من المؤتمرات الصحفية والعظات والمداخلات في كلّ المحافل، وتمحورت حول تقديم النظرة المسيحية للسلام، ولتفاعل الإيمان المسيحي وسط الظروف " والصلبان"  القاسية التي يحملها الشعب الفلسطيني المصلوب على أرضه وبين كرومه وزيتونه .

        وعُرف البطريرك رجلا متمسكاً بالحوار كموقف إستراتيجي لكنيسة اليوم إن أرادت، لا مجرّد وجود جغرافي هزيل، بل حضوراً عاملاً وفاعلاً ومؤثراً . وانعكس الحوار على علاقات رؤساء الكنائس فيما بينهم، على مستوى الأرض المقدّسة، وكنائس الشرق الأوسط. أمّا الحوار الحوار الاسلامي – المسيحي ، فلا استغناء عنه،   فكلّنا في الهمّ شرق، وكلّنا معا في عبادة الله الواحد، ومعا في خدمة الإنسان المتألم، ومعا في المناداه بسلام عادل وشامل، في فلسطين، وفي كل الشرق الأوسط.

          وعلى مدار خدمة البطريرك العربي فقد كان أول المبادرين إلى دعوة قداسة البابا لزيارة أرض القداسة والفداء. الأمر الذي تحقق قبل عام من آذار الحالي، و أبلى فيه البطريرك صباح بلاءً حسناً في التخطيط والإعداد والاستقبال والمرافقة للضيف الكبير. ولا يخفى على أحد ما كان أمام الزيارة من مطبات وعراقيل ، وضعتها إسرائيل ، وما كانت الزيارة لتحقق أهدافها في خدمة الشعب الفلسطيني، وبخاصّة في زيارة الحاج الكبير الى بيت لحم ومخيّم الدهيشة، لولا الجهود المضنية من البطريرك صباح على رأس كل لجان العمل.

            ومع بداية صوم الأربعين يوما لعام 2001، وجّه البطريرك الناصري المولد والمنشأ دعوة صريحة إلى إسرائيل بعدم اقتلاع الناس من جذورهم والكف عن تدمير منازلهم، وذهب إلى تقديم الكنائس "كبشا للفداء" في سبيل أن يحيا الشعب الفلسطيني ، بشيوخه، وأطفاله ونسائه، حرّا آمنا.  واليوم ، وكجواب على هذه التقدمة التي لم تنل اعجاب ذوي الأطماع الاستبداديّة، ونظرا لكلّ الأسباب آنفة الذكر، يجد البطريرك نفسه موقوفا على باب قرية عين عريك التي تعرض سكانها – ومنهم صديق لي في الدراسة والكهنوت هو الأب عزيز حلاوة- إلى كل الجور والظلم والسجن والتعذيب. وقد كان غبطته ذاهباً للصلاة يوم الجمعة الثانية من زمن الصوم، وقد إعتاد المؤمنون فيها أن يستذكروا درب الآلآم والصليب، صليب يسوع المسيح وصليبهم، الآمه والآمهم، على مدار أربعة عشرة مرحلة. وفي كل نهار، يجد الفلسطيني نفسه أمام مراحل جديدة من درب صليبه، وأمام صحار عديدة، وأمام تعنت جديد، ممنوعا من الدخول الى قريته والى بيته، وفي بعض الأحيان لا يجد له بيتا ليدخل اليه. و يجد البطريرك نفسه بين أيدي جنود قدّموا له " أول الغيث " مع أول أيام السياسة الشارونية - ليس الجديدة – وإنما المتجدّدة. وهي السياسة التي تدّعي  "المخترة" على كلّ شعوب الأرض، وهي ذاتها التي على حدّ قول محمود درويش: " تعبد الله لكي يعبدها شعب". ولقد وصلت الرسالة، ووصل المكتوب، وقرأناه "من عنوانه" وهو ليس سوى عنف في عنف...

            فيا بني اسرائيل، يا من تريدون أن يكون الوطن "حقيبة" في يد مسافر، ويا من لا تتاونون عن أعمال قتل وتشريد وتجويع واغلاق وهدم وقلع أشجار الزيتون المثمره المباركة . ويا من لا تريدون لأي صوت، فيه نقد وتنبيه لضمائركم الغارقة في سبات عميق، أن يوازي اصوات بنادقكم، ويا من لهم عيون ولكنهم لا يبصرون معاناة شعب وإذلال شعب-  ولا يبصرون تململ المدفون خلف الحجر الضخم الذي أُحكموا به  باب القبر . ويا من لا يبصرون كتب التاريخ التي التهمت صفحاتها كل حضارات السلف والأباطرة الذين لم يتردّدوا في جعل أنفسهم آلهة ولم يبقَ منهم سوى بعض أسماء منقوشة على آثار صماء بكماء، ولكنّها بقيت الى اليوم ليزورها القاصي والداني، ليأخذ عندها، بعد الصورة التذكاريّة، عبرة ودرسا. ويا من لهم آذان ولكنهم لا يسمعون : "هوذا البائس قد دعا الرب فسمعه" . ويا من ... ويا من ... انّ الفجر قادم ! وانّ القيامة فد باتت وشيكة ! وانّكم بمصادرتكم لحق انساني أساسي، تمثّل بمنع المؤمنين من الوصول إلى أماكن تعبّدهم واعلان ايمانهم، انّكم بذلك تعلنون افلاسكم الحضاري والمعنوي ، رغم المساعدات التي توجهها لكم أمّكم، أو ابنتكم، العظمية... اميركا.

         لا، ليس غريباً أن تخرق إسرائيل كل المعاهدات الدولية، وليس غريباً أن توقف بطريركياً عربياً جاء للصلاة والعيش مع شعبه المتألم وبات صوته يهدّد " أمن إسرائيل " . وليس غريباً أن يعترض جنودهم سيارة دبلوماسية يرفرف عليها علم الفاتيكان ويحمل صاحبها جواز سفر دبلوماسي وصفة ال  . VIPفهذا جزء يسير ممّا يعانيه الشعب الفلسطيني، بكافّة فئاته. لا، ليس هذا  غريباً ! ولكن، و نردّدها مع المسيح، وقلوبنا على أيدينا: "إن كان هذا يصنع في العود الرطب، فماذا يُقال عمّا يفعلونه في العود اليابس ".

 

الأب رفعت بدر