عيد
البشارة
الناصرة
25 آذار 2001
1 يعود
علينا هذا العيد، عيد بشارة الملاك لمريم العذراء في هذه المدينة مدينتنا الناصرة،
في يوم بهيج يملأه فرح الروح والأمل الذي من السماء. نرفع بصرنا إلى البتول مريم في
بهائها الساطع، وننظر إلى الله في رحمته الواسعة، وحبه للبشر جميعا. وفي هذه
المشاهدة يتأصل فرحنا وأملنا في الحياة، وفي كل مناحي الحياة، وفي كل أوجهها كيفما
تبدت لنا باسمة أو عابسة. فإن بسمة السماء ورحمة السماء تبقى هي الأقوى في قلوبنا
مهما عبست الأرض أو اضطربت أمورها.
أحييكم
جميعا أيها الإخوة وأسأل الله لكم ولجميع ساكني هذه المدينة مسلمين
ومسيحيين
كل بركة ونعمة. أحيي سيادة المطران بولس ماركوتسو راعيكم في هذا القسم من
الأبرشية، أحيي كاهن الرعية ورئيس هذا الدير وكل الرهبان المتفانين في خدمة
إيمانكم. أحيي جميع الرهبان والراهبات الخادمين لإيمانكم في هذه المدينة. أحيي
جميع الكنائس الكاثوليكية والأورثوذكسية والبروتستانتية ووحدتها وتعاونها ومحبتها.
2 القراءة
الأولى مقتبسة من سفر اشعيا النبي.
عاش النبي أشعيا
في نحو عام 765 قبل الميلاد، في فترة كانت مملكة أشور (أي العراق اليوم وما
يجاوره) تهدد فيها مملكتي يهوذا وإسرائيل،
فكان الشعب في اضطراب وفي ظروف سياسية صعبة. في تلك الفترة جاء النبي أشعيا
يشدد الملك آحاز قائلا: "سل لنفسك آية من العلاء"، ليَقوَى إيمانك بالله
وبمشيئته عليك. قال الملك: "لا أسال ولا اجرب الله". وتابع النبي قال:
"بل سيعطيك الرب الإله آية" تبين لك كيف تتجاوز ما أنت فيه من اضطراب.
وفي الواقع انتقل النبي بالملك من لحظة في تاريخه الحالي والمحلي إلى لحظة في
مستقبل البشرية، وإلى رؤية رأي فيها أن التاريخ بكل ما فيه من تحديات هو مسيرة
خلاص، وليس فقط مسيرة شعب يحاصر أو يهدد. قال النبي: "ها إن العذراء تحبل
وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل أي الله معنا". المعنى القريب للملك: سيكون لك
ولد وريث يضمن ملكك. والمعنى البعيد والشامل البشرية جمعاء، بيَّنه كلام الملاك
لمريم: سيكون "المولود عظيما وابن العلي يدعى…ولن يكون لملكه نهاية…وهو الذي يخلص الشعب
من خطاياهم". فالتاريخ الذي كان الملك آحاز جزءا منه لم يكون تاريخا له، بل
تاريخا للبشرية، هو مسيرة خلاص، بلغت ذروتها في بشارة الملاك لمريم العذراء وبتأنس
كلمة الله.
3 ونجد
ذلك في القراءة التي استمعنا إليها الآن من الإنجيل المقدس، لما جاء الملاك إلى
هذه المدينة مرسلا من قبل الله يبشر مريم، فيقول لها إن الله اختارها وملأها نعمة.
وإنه اختارها لتكون أما للكلمة الأزلي الذي سيصير إنسانا باتخاذه جسدا في أحشائها
قال الملاك :"لا تخافي يا مريم فقد نلت نعمة عند الله، فستحملين وتلدين ابنا،
فسميه يسوع. .. وإن الروح القدس سينْزل عليك وقدرة العلي تظللك لذلك يكون المولود
قدوسا وابن الله يدعى". وأعطاها آية لتؤمن بما قال لها: "ها إن أليصابات
نسيبتك قد حبلت هي أيضا بابن بالرغم من شيخوختها. فما من شيء يعجز الله".
قالت مريم مسلِّمةً أمرها لله: "ها انا أمة الرب، فليكن لي كما قلت".
وتم ما أراد الله وبلغت معها مسيرةُ الخلاص مرحلة التحقيق، بعد أن بدأت بدعوة
الآباء والأنبياء منذ ابراهيم حتى
اكتملت بدخول كلمة الله المتأنس، يسوع المسيح، في تاريخ البشرية.
4 أيها
الإخوة في مثل هذا اليوم في العام الماضي استقبلنا قداسة البابا يوحنا بولس
الثاني، وهنا في هذه الكنيسة وفي هذه المدينة تقدَّمَ صلاتَنا، ونحن معه صلينا.
ومعه تأملنا في السر الذي تشتمل عليه هذه المدينة المقدسة، وهي مدينة حياتنا
اليومية، مدينة أفراحنا وآمالنا وآلامنا.
قال قداسته: جاء ليحتفل بالسر الذي حصل هنا قبل الفي
عام. ثم أقام مقارنة بين إيمان ابراهيم أبي الآباء وإيمان مريم العذراء. وهذه
الصلة في جذور الإيمان ووحي الله للبشرية نداء ودعوة لكل أخ مؤمن حتى يلاقي أخاه
في إيمانه وإن اختلف عنه، المسيحي والمسلم واليهودي والدرزي. تلتقي الديانات في
أصل واحد هو الله والإيمان به واحدا أحدا وربا وخالقا ومحبا للبشر أجمعين.
المقارنة بين إيمان إبراهيم وإيمان مريم العذراء، هي نداء لنرى كيف نعيشُ إيماننا
في حياتنا اليومية الفردية والقومية، وفي العلاقات بيننا كمؤمنين في متطلبات
عبادتنا اليومية لله.
5 أيها
الإخوة، سرنا معا مدة سنوات في
مسيرة السينودس، لنجدد أنفسنا رعاة ورعايا. وقد نجم عن مسيرتنا مخطط للعمل الرعوي،
فيه روح جديدة ورؤى جديدة نبدأ بها الألفية الثالثة. رؤى مبنية على تجديد إيماننا
وتقويته داخل كنيستنا، فنحن مؤمنون بالمسيح. ومبنية على مشاركة كل مؤمن في كنيسته
في بنائها وفي همومها، مع العلم أن هموم الكنيسة لا يمكن أن تكون إلا هموم
المؤمنين أنفسهم. فهي مشاركة الجميع في الإيمان الواحد، وفي العمل على ضمان عافية
الجماعة كلها، التي قال القديس بولس فيها إنها تشبه الجسد الواحد والذي رأسه هو
المسيح. ولهذا يهب كل عضو إلى مساعدة العضو الآخر، بل يعيش وإياه حياة واحدة. ثم
هي انفتاح على المجتمع كله، ومشاركة في بنائه، وفي جميع المجالات، الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية والإعلامية، وفي الحوار والتعاون بين الكنائس وفي الحوار
والتعاون بين الأديان. أيها الإخوة، افتحوا أبواب قلوبكم لله، افتحوا أبوابكم
لبعضكم البعض، افتحوها لكل أخ لكم، للمسيحي والمسلم واليهودي والدرزي، ولكل إنسان
تصادفونه على درب محبتكم.
استجابة لهذه الروح الجديدة، لقد تكوَّنَ في هذه الرعية
مجلس رعية. وهو بداية وتجربة. ويجب الصبر على هذه التجربة وإتاحة الفرصة لها لتنمو
وتصير. ومجلس الرعية هو صورة من صور المشاركة في الرعية، وأولى مسؤولياته مجالات
التوعية الدينية وتوحيد الكلمة، وتنمية الإيمان وتقوية الانتماء. ليس فيه إدارة
مادية، بل إدارة روح وتعاون على خلق روح جديدة وتحويل الرعية إلى بيت واحد يجتمع
فيه الجميع للصلاة وللمشاركة في الآمال والآلام، ولاكتشاف طرق المحبة معا، وتفعيل
هذه المحبة بين أبناء البيت الواحد ومع أبناء جميع الكنائس والمدينة كلها مسيجييها
ومسلميها.
6 أيها
الإخوة، شددت اللجنة المسكونية أمس بلسان رئيسها الأب إميل شوفاني، على وحدتكم في هذه المدينة ووحدة جميع
كنائسنا فيها. وكان ثمرة جهدها أمس للاحتفال بهذا العيد حدثا مباركا ملأ القلوب
بهجة وسلاما. والفضل في ذلك لكل من سعى من كهنة الرعية في كل الكنائس بمباركة
أصحاب السيادة المطارنة في هذه المدينة. إننا نبارك هذه الجهود ونطمح إلى
مضاعفتها. وإننا نشكر الله على هذه الروح والنعمة. ونسألكم أيها الإخوة كهنة
الرعايا في هذه المدينة المباركة أن تستمروا في السر على هذا الدرب، لتعمقوا
الوحدة فيما بينكم، فتستجيبوا لصلاة سيدنا يسوع المسيح نفسه: ليكونوا بأجمعهم
واحدا. وليرى جميع المسيحيين فيكم، ومن كل الكنائس، راعيا واحدا وصوتا واحدا،
لأننا بحاجة إلى الصوت الواحد يصدر مع تعدد الرعاة عن قلبهم الواحد. وإن هذه
الوحدة تفرض على الرعاة اهتماما وتضحيات في الرؤى وفي روح الطائفية وفي الوقت،
وتفرض على المؤمنين في مختلف الكنائس أن يكونوا حاضرين في كل رعية لهم بصلاتهم
وإيمانهم الفاعل. أيها الإخوة،
الكنائس كلها في هذه المدينة، والناصرة كلها بحاجة إلى محبة لا إلى مخاصمات
أو طوائف منعزلة. الشعب متعطش إلى الإيمان وطريق الإيمان الأوضح بالنسبة إليه هو
وحدة رعاته. وإيمان الرعية ووحدتها من إيمان الرعاة ووحدتهم. ومن جهتنا فنحن جاهدون وجادون في دعم كل مسعى ومجهود
في طريق الوحدة هذا.
7 كنائسنا
ومدينتنا الناصرة بحاجة إلى وحدة ومحبة. وقضية السلام والعدل التي تعاني منها
أرضنا المقدسة بحاجة إليها أيضا. لمواجهتها أيضا نحن بحاجة إلى مزيد من المحبة
واحترام الإنسان للإنسان وذلك على صعيد الكنائس المتعددة، وعلى صعيد الأديان، وعلى صعيد المؤمنين كافة مسيحيين
ومسلمين ويهودا ودروزا.
يجب أنه يصل الصراع القائم بين الشعبين الفلسطيني
والإسرائيلي إلى حل. ويبدأ الحل حين تُرى الصورة الحقيقية له. وهي أن الشعب
الفلسطيني لا يريد إرهابا ولا عنفا، بل يريد أرضه وحريته واستقلاله. وكلها أمور
طبيعية ومشروعة. مع أنها ما زالت مرفوضة له. هذه هي الصورة الصحيحة. وبها يبدأ
الحل حقيقة. وإن الله يسمع صوت كل مطالب بحريته، فحري بالإنسان ولا سيما إذا كان
مسؤولا ومؤمنا، أن يسمع الصوت الذي يسمعه الله.
قال قداسة البابا يوم صلى معنا هنا قبل سنة: "سرنا
في خطى ابراهيم فأفضت بنا مسيرتنا إلى الناصرة: من بلد بعيد، أور الكلدانيين في
العراق، عبر سيناء في مصر، عبر الأردن وفلسطين. ثم كانت الغاية هنا. في هذه
المدينة الملتقي مع الله، ومع سلام الله، ومع النور الذي به يدرك كل مؤمن إيمانه. نحن نؤمن بطرق الله وهي طرق المحبة. لأن
الله جعل الإنسان خليفته في هذه الأرض وجعله فيها حارسا لأخيه حارسا محبا ومنجيا
لكل أخ لأن كل أخ هو خلق الله، والديانات ليست حدودا وحواجز بين الناس، بل هي
مقوية لأخوَّة البشر. طرق الله هي هذه: محبة الإنسان لأخيه الإنسان، وفي أيام
الصراعات كما في أيام السلام. هي قوة وطاقة غير مستخدمة بعد. قال القديس بولس:
المحبة لا تعرف الحسد ولا العجب ولا الكبرياء. ولا تفعل السوء ولا تسعى إلى
منفعتها" (1 قورنتس 13:4-5). ولا تستقوي ولا تستضعف. مثل هذه المحبة تطفئ
الحروب التي نحن فيها، الصراع القومي الفلسطيني الإسرائيلي كما والتوتر الداخلي
حول هذه الكنيسة في هذه المدينة.
8 ايها
الإخوة عيد البشارة هو عيد لهذه المدينة ومصدر أعياد وفرح للعالم كله. ليكن عيدا
لنا، ومصدر محبة وفرح لنا جميعا، ساكني هذه المدينة مسلمين ومسيحيين. مريم العذراء
آمنت بالله وأطاعت الله في سره العميق. لنؤمن بالله، لنؤمن بمحبة الله وبعدل الله
وبقوته على من استقوى وعلى من عدل، نسأل الله أن يضع بمحبته الصفاء والعدل في
قلوبنا جميعا. آمين.
+البطريرك
ميشيل صباح