البطريركية اللاتينية - القدس

 

رسالة الصوم 2001

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

 

1       سلام الله يحل في قلوبكم ويبق معكم دائما.

نبدأ في يوم أربعاء الرماد فترة الصوم الأربعيني استعدادا لذكرى آلام ربنا يسوع المسيح وموته وقيامته المجيدة. وعلى مثاله نصوم ونصلي كما تفرغ هو للصوم والصلاة مدة أربعين يوما في صحراء أريحا قبل بداية كرازته. ولما بدأ يكرز قال: "توبوا فقد اقترب منكم ملكوت الله" (ر. مرقس 1: 15). ملكوت الله هو حضور الله فينا، إذ خلقنا على صورته ومثاله. ملكوت الله هو مرافقة الله لنا في تاريخنا وفي الشدائد التي نمر بها، والتي بها يصنع الله تاريخنا اليوم.

         

2       زرت في هذه الأيام بعض الرعايا في فلسطين واستمعت لأبنائنا فيها. واستمعت للمسؤولين في كل بلدة. وأفترض أن كلامهم هو كلام جميع الرعايا وهمومهم هي همومكم جميعا. الهم الأول الذي يحتوي سائر الهموم هو الوضع السياسي الصعب الذي نمر به: الطرق المغلقة، والحصار المضروب على المدن والقرى، وانعدام الأشغال واستمرار القصف الإسرائيلي وهدم البيوت، والصعوبات الداخلية في المجتمع الفلسطيني، وفكرة الهجرة. وقد لمست إلى جانب المعاناة والتردد وشبح التهجير إرادة أساسية فيها إصرار على البقاء والتحمل، إلى أن نبلغ الحرية ونحقق صورة الله فينا وفي من يعتدي علينا على السواء.

 

3       من حيث شبحُ التهجير، فإننا نضم صوتنا إلى صوت جميع الصابرين فنقول: أيها الإخوة لا تتركوا أرضكم. اصبروا. هنا أرادكم الله مؤمنين به وشاهدين ليسوع المسيح في أرضه، ثابتين حول أماكنها المقدسة. أنتم في هذه الأرض جزء من سر الله فيها: حاولوا أن تتأملوا فيه لتبلغوا من خلاله إلى رؤية الله والقريب وإلى فهم معنى وجودنا هنا. إلى حياة صعبة دعاكم الله: فكونوا أقوياء واقبلوا الحياة الصعبة التي دعيتم إليها. وقد يقول البعض: "المستقبل غير واضح". المستقبل هو ما تصنعونه أنتم اليوم أو ما تخافون أن تصنعوه. ولماذا تتركون غيركم يصنعه لكم؟ في وقت الشدة يتقدم كل مؤمن بحرية أبناء الله ليقول كلمته وليُدلِيَ بدَلوِهِ ويسهم في بناء المستقبل ويرسِّخه على قيم السلام والعدل المحبة.

 

4       وعلاوة على ذلك اعلموا أن المدد الأساسي يأتينا من أنفسنا ومن محبتنا لبعضنا البعض. فمن كان في الحاجة ليبحث عمن كان أشدَّ حاجةً منه. وليمُدَّ إليه يد العون بالكثير أو القليل الذي معه. ولأبنائنا الذين يتعرضون لظروف معيشية صعبة نقول: أيها الإخوة، إن كنتم تجوعون في هذه الأيام فنحن أيضا نريد أن نجوع معكم. ونريد أن نقاسمكم خبزنا. وإننا لندعو أبناءنا المؤمنين في الرعايا وكلَّ الرهبان والراهبات أن يقاسموا خبزهم مع كل محتاج من إخوتهم، سواء بدعوتهم إلى المائدة نفسها التي يجلسون إليها، أو بإرسال مقدار ما ينفقون يوميا للطعام إلى الكاريتاس أو أية جمعية خيرية أخرى لتسليمه إلى من يحتاج إليه. إننا نعيش في حرب مفروضة علينا. فلنبدِّلْ جميعا نمطَ حياتنا ونتعوَّدْ حياة التقشف وحياة العطاء معا.

 

5       ولمن هُدِمَتْ بيوتهم وما زالت تُقصَفُ حتى هذه الأيام، فنحن نقول لمن يهدمها، وللإسرائيليين أولا: اهدموا كنائسنا بدل بيوت أبنائنا. إن كان لا بد من عقاب جماعي ومن فدية بدل أطفال أبرياء وعائلات مطمئنة، فهذه كنائسنا نقدمها فدية عنهم. اهدموا كنائسنا وسوف نجد أماكن نصلي فيها من أجلنا ومن أجلكم. وللإخوة الفلسطينيين الذين يرون أن يطلقوا النار من بين البيوت الآهلة بالسكان، بالرغم من الأوامر الواضحة والقائلة بأن لا تزجوا بالبيوت الآمنة في نيران القتال، نقول التزموا الأوامر وأبقوا على تماسك المجتمع الفلسطيني، واتركوا البيوت آمنة بأهلها. نحن قابلون بأن نقدم كنائسنا فدية عن كل بيت يراد هدمه، ولكن لا يمكننا أن نرضى بهدم بيوت أبنائنا وحملهم على هجر أرضهم.

 

6       إننا نصلي ونسير في طريق التوبة لرؤية الله. ونقول لكل أخ لنا فلسطيني، ولكل إسرائيلي محب للسلام أو طالب للأمان، حاولوا أنتم أيضا أن تروا الله معنا. وللإسرائيليين نقول: حاولوا في هذه الرؤية أن تروا الفلسطيني المسيحي والمسلم على غير ما صممتم أن تروه. ليس الفلسطيني إرهابيا ولا طالبا للكراهية والقتل. حاولوا أن تروا أن احتلالَكم للأرض منذ عام 1967 وحرمانَ الناسِ حريتَهم، واليوم إغلاقُ المدن وحصارُها وكلُّ المتاعب في المعيشة التي تسببونها، حاولوا أن تروا أن ذلك كله يؤدي إلى ما تسمونه إرهابا، وهو في الحقيقة صرخة المظلوم وصرخة المطالب بحريته وكرامته. أنتم أيضا طالبتم يوما بحريتكم وصرختم صرخة المظلوم. اذكروا ذلك وكونوا اليوم عادلين. وحاولوا أن تروا أن ما تسمونه إجراءات أمنية هو تصعيد للعنف. أعيدوا الأرض وأعيدوا الحرية. واسمعوا صوت المظلوم والفقير، لأن صوت الفقير يصعد إلى الله وسيسمعه الله يوما وسيستجيب له.

 

7       ولجميع المتألمين من أبنائنا، نقول اصبروا. وإياكم نذكِّرُ بالوصية الصعبة، وصيةِ محبةِ الأعداء. "أحِبُّوا أعدَاءَكُم وَصَلُّوا مِن أجلِ مُضطَهِدِيكُم لِتَصِيرُوا بَنِي أبِيكُم الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لأنَّهُ يُطلِعُ شَمسَهُ عَلَى الأشرَارِ وَالأخيَارِ وَيُنْزِلُ المَطَرَ عَلَى الأبرَارِ وَالفُجَّارِ" (متى 5: 44- 45). وليست المحبة ضعفا ولا انهزاما بل هي رؤية وجه الله في كل إنسان، الفلسطيني والإسرائيلي على السواء. نعم في الإسرائيلي المعتدي أرى صورة الله. ومع رؤيتي لهذه الصورة فيه، أنقّي قلبي من الكراهية، ثم أطالبه بقوة الروح وقوة الحق بوضع حد لاعتدائه، بوضع حد لاحتلال الأرض وتقييد الحريات.

نريد سلاما. نريد عدلا، لأن الله سلام وعدل. من أجل هذا، أيها الإخوة والأخوات جميعا،  نصوم ونصلي في هذه الأيام وننقي أنفسنا من خطايانا، لنصنع مع الله وبعونه الإلهي تاريخنا الجديد. في أرضنا أراد الله أن يبلِّغَنا وَحيَه وأن يُظهِرَ محبتَه للناس أجمعين. لنسأل الله أن يدخلنا في سره العميق ويمنحنا النعمة لنراه ونحبه، حتى إذا رأيناه وأحببناه رأينا وأحببنا كلَّ خَلقِه وجميعَ أبنائِه على العدل والإنصاف والرحمة. أسأله تعالى أن يمنحكم قوة الروح وقوة المحبة، فنكون مستعدين لاستقبال مجد القيامة. آمين.

 

+ البطريرك ميشيل صباح

 

القدس 1 آذار 2001