
رسالة رعوية
لصاحب الغبطة
نرسيس بدروس التاسع
عشر
كاثوليكوس بطريرك
كيليكيا للأرمن الكاثوليك
بمناسبة يوبيل
الفداء الكبير
1999 – 2000
بيروت
خادم يسوع المسيح
نرسيس بدروس التاسع
عشر
بنعمة الله
كاثوليكوس بطريرك
كيليكيا للأرمن الكاثوليك
إلى اخوتنا الاجلاء
السادة رؤساء
الأساقفة ، والاساقفة ،
والاباء الافاضل ، والرهبان ، والرهبات ،
والمؤمنين المنتشرين في أرمينيا وفي
أصقاع العالم
سلاماً وبركة الهية
1 – أيها الأحباء في المسيح
مع اقترابنا من احتفالات يوبيل
العام الألفين، من واجبنا، في السنة الأولى لحبريتنا، أن نوجه اليكم رسالتنا
الأبوية، وذلك لنستعد معاً بالفكر والقلب والعمل لهذه السنة اليوبيلية، كي نتمكن
من الاحتفال بورع وخشوع كبيرين بهذا الحدث الالهي الكبير.
2 – الفية سر الفداء الثانية
ان اللّه
"الذي لم يرتض إلاّ الخلاص للطبيعة البشرية" كما يردد القديس نرسيس
شنورهالي، أحد آباء الكنيسة الأرمنية العظام، ارسل ابنه الوحيد الى العالم، ليخلص
به الإنسان والإنسانية جمعاء من خداع الشيطان، وعبودية الخطيئة، اللذين اقتلعا
السعادة من قلوب البشر، وشوّها هدف الحياة.
والرسالة الى
العبرانيين تعبر بدورها عن هذا الوضع الأليم وتظهر بوضوح حالة الإنسان الساقط،
عندما نقرأ فيها "ولما كان الأبناء شركاء في الدم واللحم، شاركهم هو فيهما
أيضاً ليقضي بموته على ذاك الذي يقدر أن يميت، أعني به ابليس، ويحرر الذين ظلوا
طوال حياتهم في العبودية مخافة الموت، فإنه (المسيح) لم يقم لنصرة الملائكة، بل
قام لنصرة نسل ابراهيم" (عبر 2، 14-16).
ان هذه الكلمات تعلمنا، كيف ان
الإنسان بسبب خوفه من الموت يصبح عبداً للشيطان. وهذا الخوف الذي يشعر به طوال
حياته، يحضه على ارتكاب الخطيئة ويدفعه الى الهلاك، ولكن السيد المسيح كي يخلصنا
من هذه الحالة المأسوية، أراد أن يتجسد، ويموت ويقوم لينتصر على الموت، وهذا ما
تردده المسيحية منذ ألفي عام في انشودة الفصح "المسيح قام من بين الأموات،
ووطئ الموت بالموت، وبقيامته منحنا الحياة".
3 – نحن والوثنية الجديدة
هذه هي البشارة الخلاصية أي الرسالة الانجيلية التي علينا ان نعلنها
للجميع، كي يدرك الانسان، بأن الحياة بالمسيح يسوع قد تبدلت. فاصبح من الممكن بأن
نحب الخطأة والمهمشين من البشر وحتى أعداءنا. ولكن رغم هذا التجدد الكياني ما زال
مجتمعنا المعاصر يتخبط في وثنية جديدة، فهناك فئة من الناس تعيش كأن اللّه لا وجود
له، وكأن الانسان هو الاله. انهم يريدون ان يقرروا الحياة والموت، وان يتصرفوا
بمصيرهم، كما يحلو لهم.
في رعايانا فئات تعيش باكتفاء ذاتي وارتياح اناني دون الرجوع الى
اللّه. والمسيح هو الغائب الأكبر عن حياتهم واهتماماتهم. انهم اناس يفضلون الظلمة
على النور، قد اضاعوا معنى الحياة وأفرغوها من جاذبيتها، مما قادهم الى التفكك
الأخلاقي ان على الصعيد الاجتماعي أو الصعيد الروحي وهذا ما نلمسه لدى اعداد كبيرة
من الشباب، الذي راح يلهث وراء المظاهر الغريبة.
فمن واجبنا اعلان بشارة الخلاص لاحبائنا هؤلاء، وأن نقول لهم: إن
المسيح تجسد من أجلهم، وهو يحبهم حباً لامتناهياً. علينا أن نكون بجانبهم، وأن
نشهد أمامهم بحياتنا المسيحية بجرأة وشجاعة لأن "محبة المسيح تلزمنا" كي
نشاركهم افراحنا الروحية، وسلامنا الداخلي، النابع من المسيح يسوع. عندئذٍ نكون قد
ساهمنا في نشر ملكوت اللّه على الأرض.
فمنذ تجسد السيد المسيح لا يحق لنا أن نبقى غير مبالين لهذا الواقع
الأليم، لأن المسيحي الملتزم لا يمكن أن يكون مجرد متفرج، بل أنه ذاك الفاعل
النشيط دوماً في حقل الرب،
والمجند طاقاته أبداً في سبيل قضية المسيح. ولكن ويا للأسف، هناك الكثير من المسيحيين يختارون الطريق
السهل، ويتمتعون بشكل أناني بالثمار الصالحة التي نالوها من الروح القدس بواسطة
المعمودية، دون أن يشاركوا بها الآخرين.
الكنيسة تدعو أبناءها لينيروا المجتمع بايمانهم الساطع. فهي تدعوهم
ليضعوا النور مكان الظلمة، والمعرفة مكان الجهل، والسعادة مكان الحزن والالم.
ليتحقق سر الخلاص في ذكرى اليوبيل الكبير.
فلنستعد نحن لاستقبال الالف الثالث بالصلاة، وبمطالعة الكتاب المقدس،
وباشتراكنا بالأسرار الالهية. لنرفض كل ما هو خطيئة وما له ظاهرة الخطيئة من كذب
ويأس. ونسير بحماس لأن المسيح كراع صالح وأمين سيقود حتماً خطواتنا نحو الخلاص.
4 – سر اليوبيل المقدس
ان الهدف الثاني من اليوبيل الكبير هو الدعوة لنتذكر كما في العهد
القديم حيث الناس، بمناسبة السنة المقدسة، كانوا يسامحون ديون بعضهم البعض، ويردون
الأراضي لأصحابها القدامى، لأن كل شيئ هو أخيراً ملك للّه. كانوا يتصالحون ويغفرون
أخطاء وهفوات بعضهم البعض، ويعلنون سنة فرح في كل مكان.
نحن ايضاً في هذه السنة اليوبيلية علينا ان نتشبه بهم. إذا اردنا ان
نعيد البهجة الى قلوبنا فعلينا ان نغفر بكل قلبنا للجميع دون استثناء، لنتعلم
ايضاً أن نطلب المغفرة لمن اسأنا اليه. غفران الآخرين أخطاءهم يتطلب منّا الشجاعة،
طلب المغفرة من الآخرين يتطلب التواضع. هذه هي الشروط للحصول على سلام القلب
والتعايش المتبادل بالوئام.
كما يطلب منا بان نقوم بزيارات حج الى الأماكن المقدسة، حيث تمت
تجليات الرب من خلال الأشخاص والاحداث، وحيث الحب الالهي انصهر في ضعف الانسان.
فالانسان بايمانه بهذا الحب، يرتفع الى العطاء، الى الفضيلة والى السماء. ولما كان
العالم ينشد حب المال والمجد واللذة نرى مثال القديسين وحياتهم يقودنا الى ما هو
جوهري، الى الخلاص. فلنتعلم من القديسين بأن نضع ثقتنا باللّه، الصخرة الثابتة،
يسوع المسيح.
فلنبتعد عن مهالك المال المضللة، ونعطي المحتاج بسخاء، فالسخاء هو
ميزة الهية، فهو يثمر باستمرار كما يردد المزمور "الرب الاله يعوض المحسنين
الاسخياء بمائة ضعف" (مز 40/2).
5 – يوبيل الالفين ويوبيل ال1700سنة
ان نسينا فلن ننسى يوبيل
ال 1700 سنة لاعتناق أرمينيا حكومة
وشعباً الديانة المسيحية. فالتاريخ هو حكمة الشعوب. فاهتداء الشعب الأرمني من
الوثنية الى الايمان المسيح هو القدوة والمثال لاهتدائنا نحن.
فالملك درطاد، الذي اصغى الى
الهامات الروح، رغم كبريائه وتعجرفه ووثنيته، اقتبل الايمان المسيحي ومعه الشعب
الارمني بكل طبقاته الاجتماعية، وما أتى به القديس غريغوريوس لما شفى درطاد من
مرضه الا دعوة لهذا الملك الوثني ليحنو رأسه أمام المعمودية المخلصة. فعذابات
القديس غريغوريوس واهتداء درطاد الملك غيّرا مجرى التاريخ الأرمني. واستمرارية
الشعب الأرمني في الوجود تعود، رغم تقلبات الدهر، الى اعتناقه الديانة المسيحية.
هذا، وبعد الشهداء الأوائل، كم وكم من الشهداء اراقوا دماءهم في سبيل
الحفاظ على ايمانهم، وكم من القديسين في السماء ، وكم من الاباء أثروا التراث
المسيحي والعالمي بعظاتهم وارشاداتهم وصلواتهم. هناك ايضاً قوافل الاباء والامهات
والعذارى والاطفال والشيوخ الذين سطّروا باستشهادتهم ملاحم الايمان والبطولة منذ
معركة أفارير سنة 451 التاريخية وصولاً الى المجازر الرهيبة سنة 1915 التي تعرض
لها الشعب الأرمني. فلولا هذا التمسك
بالايمان لما كان القديس فارطان ولا الاباء غيفونتيانك ولا القديس ناريك وشنورهالي ولمبروناتسي.
فلكي نفهم التاريخ الأرمني علينا أن نقرأه قراءة مسيحية. بينما المستقبل ما زلنا
نسطره ونكتبه، فهل بامكاننا كتابته بأحرف ذهبية؟ هل لدينا شجاعة وجرأة الاباء في
اعلان الحقيقة والحفاظ على قدسية العائلة وكرامتها. فكم من اخوة لنا، هم بعيدون
اليوم عن ايمان القديس غريغوريوس المنور؟
6 – رسالتنا في أرمينيا
منذ عشر سنوات هناك آمال وإنتظارات جديدة لاحت في سماء الوطن
الأرمني. اندثر الالحاد المزيف، وعادت الحرية الدينية لتروي مجدداً جذورنا
الروحية، وقوافل المعمدين الجدد على يد حضرات الاباء الأفاضل من جمعية دير سيدة
بزمار البطريركية، والاباء المخيتاريست وسعي راهبات الحبل بلا دنس الأرمنيات
الفاضلات هي الشهادة الحية للتضحيات الرسولية الجسام، التي اثمرت عن اعادة افتتاح
الكنائس المغلقة، وترميم الأديرة المهدمة، وانبعاث الرعايا المندثرة، وقيام الكرسي
الأبرشي الأرمني الكاثوليكي. ولكن
ما زال هناك عشرات القرات
ومئات البيوت وآلاف
المواطنين بحاجة الى نور الفادي وايمان القديس غريغوريوس المنور. عليهم أن يصلوا
كلهم الى الحقيقة، أن يعرفوا ويتعرفوا على المسيح. فهؤلاء ينادوننا، ويطلبون منا
النجدة مثل ذلك المقدوني الذي تراءى
في الحلم لبولس وطلب منه قائلاً: "اذهب الى مقدونيا وساعدنا" (اعمال 16،
9)، فذهب بولس لنجدتهم.
هناك في أرمينيا من ينتظر
مساعدتنا، فهم بحاجة الى شباب غيورين معطائين. الجميع يفتش عن السعادة، ويحق له
بأن يكون سعيداً، ولكن ليس من سعادة دون النور، دون المسيح. فلننشر هذا النور…
7 – أمنية وطلب
نختتم رسالتنا الأولى، طالبين من العلي القدير، بأن تعم
نعم اليوبيل الكبير مؤمنينا والعالم اجمع. "اللّه الذي لم يضن بابنه، بل
أسلمه الى الموت من أجلنا جميعاً، فكيف لا يهب لنا معه كل شيء؟." (روما 8،32)
فالرب الاله، الذي ضحى بابنه الوحيد مسلما اياه الى الموت، ليخلص الناس الرازحين
تحت وطأة الخطيئة، ويسعى وراء خلاص البشرية جمعاء.
فليكن يوبيل سنة ال2000 مدعاة
ابتهاج وفرح في القلوب والبيوت وليعمل على المصالحة بين البشر. و توطيد السلام بين
الشعوب. لتجمعنا احتفالات اليوبيل، لنسير معا على طريق المحبة والعطاء. وليكن ايضا
مناسبة ثمينة لنستعد من خلالها على الاحتفال بيوبيل ال1700 سنة على اهتداء الشعب
الأرمني الى المسيحية في العام 2001 جاعلين من المصالحة والبشارة بالانجيل هدفا
لاعمالنا ولرسالتنا المسيحية، على غرار ما يعلمنا البابا يوحنا بولس الثاني.
وكما يحني الطفل الى امه ويشعر
بالإطمئنان في حضنها، كذلك نحن، علينا التوجه الى امنا السماوية مريم العذراء
طالبين منها بان تمنح المحبة والسلام لكل من يدعو باسم ابنها يسوع المسيح. لتقم أم
اللّه العذراء المجيدة والدة الاله رسلا غيورين ليعلنوا اسم المسيح فيكل مكان
"كيما تجثو لإسم يسوع كل ركبة في السموات وفي الارض وتحت الارض ويشهد كل لسان
ان يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب."(فيليبي 2/10 – 12).
واقبلوا، أيها الأبناء الأحباء،
تهانينا القلبية بمناسبة أعياد الميلاد المجيد والسنة المباركة مستمطرين عليكم
وعلى احبائكم، نعم اليوبيل الكبير السماوية سائلين المولى أن يحفظ أبناءنا في
أرمينيا وفي مختلف أصقاع المعمورة في المحبة والسلام.
نرسيس
بدروس التاسع عشر
كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك
أعطي في بيروت
عن كرسينا البطريركي في الثالث من
شهر كانون الأول السنة الاولى لحبريتنا.